فادي السمردلي يكتب: ارتفاع الأسعار يغيّر قواعد الحياة…. كيف يتأقلم الأردنيون؟

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

 

لم يعد الحديث عن ارتفاع الأسعار في الأردن مجرد متابعة لأرقام اقتصادية أو مؤشرات تضخم تُنشر في التقارير الدورية، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها المواطن بشكل مباشر، من لحظة شراء الاحتياجات الأساسية وحتى التخطيط لأبسط الالتزامات الشهرية. فالمشهد المعيشي اليوم يعكس تحولًا تدريجيًا في نمط الحياة، حيث باتت القرارات الصغيرة داخل كل بيت مرتبطة بحسابات دقيقة لم تكن بهذه الحدة قبل سنوات.

في الأسواق، يلاحظ المستهلك أن الأسعار لا تستقر على وتيرة واحدة، بل تميل إلى الارتفاع في كثير من السلع الأساسية، من الغذاء إلى الوقود والخدمات فهذا الارتفاع لا ينعكس فقط على فاتورة التسوق، بل يمتد إلى مجمل تكاليف الحياة، بما في ذلك النقل، الإيجارات، والتعليم، وحتى الرعاية الصحية ومع ثبات الدخول أو ارتفاعها بوتيرة أبطأ بكثير من وتيرة الأسعار، تتسع الفجوة بين ما يحتاجه المواطن وما يستطيع فعليًا تغطيته.

الأسر ذات الدخل المحدود هي الأكثر تأثرًا بهذه التحولات فكثير من العائلات باتت تعيد ترتيب أولوياتها بشكل قسري، فتؤجل بعض الاحتياجات أو تستبدلها بخيارات أقل تكلفة، وأحيانًا تتخلى عن بنود كانت تعتبر أساسية في السابق وهذا التغيير لا يظهر فقط في الأرقام، بل ينعكس في أسلوب العيش ذاته، من نوع الغذاء إلى حجم الاستهلاك وحتى نمط الإنفاق اليومي.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الاقتصاد الأردني يواجه تحديات متعددة، بعضها مرتبط بالظروف الإقليمية والعالمية مثل ارتفاع أسعار الطاقة وسلاسل التوريد، وبعضها داخلي يتعلق بهيكلية السوق وكلفة الإنتاج والضرائب فهذه العوامل مجتمعة تجعل من السيطرة على الأسعار مهمة معقدة، لكنها في الوقت نفسه تضع صناع القرار أمام مسؤولية البحث عن توازن حقيقي بين متطلبات الاستقرار المالي وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

على الأرض، يحاول المواطن التأقلم بطرق مختلفة فبعضهم يلجأ إلى تقليل الاستهلاك، وآخرون يبحثون عن مصادر دخل إضافية، بينما تعتمد شريحة واسعة على إدارة صارمة للنفقات اليومية ولكن هذا التأقلم، رغم أنه يعكس مرونة اجتماعية، لا يلغي حقيقة أن الضغوط تتزايد، وأن هامش الراحة المعيشي يتقلص شيئًا فشيئًا.

الأثر لا يتوقف عند الجانب المادي فقط، بل يمتد إلى الجانب الاجتماعي والنفسي أيضًا. فارتفاع كلفة المعيشة يخلق شعورًا دائمًا بالقلق تجاه المستقبل، ويزيد من حساسية القرارات المالية داخل الأسرة، ويجعل التخطيط طويل الأمد أكثر صعوبة.

في ظل هذا الواقع، يبرز سؤال أساسي لا يمكن تجاهله إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا التكيف دون تدخلات اقتصادية أوسع تعيد التوازن بين الدخل والأسعار؟ فالمطلوب اليوم لا يقتصر على إجراءات آنية، بل على رؤية اقتصادية أكثر شمولًا، تأخذ في الاعتبار حماية الفئات الأكثر تأثرًا، وتعمل على تخفيف كلفة المعيشة بشكل مستدام، لا مؤقت.

بين الواقع الحالي وتطلعات المواطنين، يبقى ارتفاع الأسعار عاملًا ضاغطًا يعيد تشكيل الحياة اليومية في الأردن، ويضع الجميع أمام مرحلة تتطلب حلولًا أكثر عمقًا من مجرد التعايش مع الأزمة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا