عوامل الصمود الاستراتيجي لشعبنا الفلسطيني تؤكد أن النصر ليس خيارًا بل حتمية تاريخية
عمران الخطيب …..
يمتلك الشعب الفلسطيني ذاكرة وطنية متجذرة، تنمو معه من المهد حتى اللحد، وتتحول إلى وعيٍ جمعي يقود مسيرته في مواجهة محاولات الطمس والإلغاء. وتشير العديد من الإحصائيات إلى أن نسبة الخريجين الفلسطينيين من الجامعة الأمريكية في بيروت تُعد من الأعلى بين الجنسيات العربية منذ عقود، في دلالة واضحة على أن هذا الشعب، رغم النكبة والتشريد واللجوء، لم يتخلَّ يومًا عن سلاح العلم والمعرفة. بل إن اللافت أن هذه النسب ارتفعت بعد نكبة عام 1948، في مفارقة تؤكد أن المعاناة تحولت إلى دافع للتميّز. كما يُسجل قطاع غزة واحدًا من أعلى معدلات التعليم، رغم الحصار والدمار.
ورغم أن قطاعات واسعة من أبناء شعبنا حُرمت من أبسط مقومات الحياة، إلا أنهم تمسكوا بخيار الصمود، ورفضوا الخنوع والاستسلام. صور الأطفال الذين يسيرون مسافات طويلة إلى مدارسهم حفاة الأقدام، بملابس رثة، وحقائب مصنوعة من أكياس الطحين التي توزعها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ليست مجرد مشاهد إنسانية، بل هي تعبير حي عن إرادة لا تُكسر، وعن شعب يصنع الحياة من قلب المعاناة.
هذه الوقائع تختصر حقيقة أن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى من يوثق مأساته، فهو يعيشها يوميًا في مواجهة مشروع استعماري إحلالي قائم على الإبادة والتطهير. فمنذ عقود، تتواصل المجازر وجرائم الحرب، وتتصاعد الاعتداءات التي تنفذها حكومات الاحتلال الإسرائيلي المتعاقبة، في محاولة لكسر إرادة هذا الشعب.
وعقب أحداث السابع من أكتوبر “طوفان الأقصى”، لم تقتصر آلة الحرب الإسرائيلية على استهداف البنية العسكرية، بل اتجهت نحو تنفيذ حرب إبادة جماعية، شملت البشر والحجر، في محاولة واضحة للمسح الجغرافي والسكاني لقطاع غزة. فقد أدركت إسرائيل أن التعليم يمثل أحد أهم مصادر قوة الفلسطينيين، لذلك استهدفت الجامعات والمدارس والمعاهد، بما فيها مؤسسات الأونروا، إلى جانب المستشفيات وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية ومراكز الدفاع المدني.
ورغم هذا الدمار الشامل، واصلت حكومة بنيامين نتنياهو وائتلافها اليميني المتطرف السعي لتنفيذ مخطط التهجير القسري، مستندة إلى وهم أن الضغط العسكري والإبادة سيدفعان الفلسطينيين إلى مغادرة أرضهم، وتحويل قطاع غزة إلى “ريفيرا” وفق التصورات التي رُوّج لها في تصريحات دونالد ترامب. غير أن الواقع جاء معاكسًا، حيث سقط هذا المخطط أمام صلابة الشعب الفلسطيني.
إن الفلسطينيين، الذين نجوا من مجازر مجزرة دير ياسين ومجزرة كفر قاسم، ومن سلسلة طويلة من الجرائم خلال النكبة، يحملون ذاكرة ممتدة من اللجوء والمعاناة، بدءًا من عام 1948، مرورًا بنكسة عام 1967، وصولًا إلى موجات النزوح المتكررة. هذه التجربة التاريخية جعلت من فكرة الهجرة خيارًا مرفوضًا، سواء كان طوعيًا أو قسريًا.
لقد راهنت” إسرائيل” على كسر هذه الإرادة، لكنها اصطدمت بشعب يمتلك وعيًا تاريخيًا عميقًا، ويستند إلى حق قانوني ثابت أقره الأمم المتحدة في القرار 194، الذي يؤكد حق عودة اللاجئين إلى ديارهم.
وفي ذروة العدوان، قدّم الفلسطينيون نموذجًا استثنائيًا في الصمود الاستراتيجي؛ فبين الركام، عُقدت الامتحانات الجامعية، وأُقيمت قاعات بدائية لطلبة الثانوية العامة (التوجيهي)، وجلس الأطفال يتلقون دروسهم، في رسالة واضحة بأن إرادة الحياة أقوى من آلة الحرب.
هنا تتجلى حقيقة الصراع: ليس صراعًا على حدود، بل صراع على الوجود والهوية. وفي هذا السياق، تتجسد مقولة الزعيم الراحل ياسر عرفات حين وصف الفلسطينيين بـ”شعب الجبارين”، مرددًا: “ثورة.. ثورة حتى النصر”.
عمران الخطيب
الكاتب من الأردن