فادي السمردلي يكتب: الإصلاح الحقيقي من الجذور لا من القشور
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في كل مرة تظهر مشكلة في المجتمع، يسارع البعض إلى التعامل مع مظاهرها وكأنها هي أصل الحكاية فترتفع الأصوات، تُطلق المبادرات، وتُكتب الخطابات التي تتحدث عن القيم والانضباط، لكن شيئًا في العمق يبقى كما هو. لأن ما يحدث في الواقع ليس حلًا، بل تأجيل للمشكلة فيتم تجميل السطح بينما الأساس نفسه متصدّع.
المشكلة الحقيقية تبدأ من حيث لا يُحب كثيرون النظر من داخل المنظومات، من آلية اتخاذ القرار، ومن الطريقة التي تُدار بها الفرص وعندما تصبح المحسوبية قاعدة غير معلنة، وعندما يُقدَّم الولاء على الكفاءة، لا يعود الحديث عن العدالة إلا نوعًا من التجميل اللغوي وهنا، يتشكل شعور صامت لكنه عميق بأن اللعبة محسومة سلفًا، وأن الجهد لا يغيّر شيئًا.
هذا الشعور لا يمر مرور الكرام فالإنسان قد يتحمل صعوبة الحياة، لكنه لا يتقبل بسهولة الإحساس بالظلم. ومع تراكم التجارب، يتحول الإحباط إلى قناعة راسخة فلا جدوى من المحاولة.ففي هذه اللحظة، لا نخسر مجرد طاقات فردية، بل نخسر فكرة الانتماء نفسها فيبدأ الفرد بالانسحاب، إما نفسيًا أو سلوكيًا، من مجتمع لم يعد يشعر أنه ينصفه.
المفارقة أن هذه النتائج تُفاجئ البعض فتُطرح تساؤلات عن تراجع الثقة، عن ضعف الإنتاجية، عن توتر العلاقات داخل المجتمع ولكن قليلين يربطون ذلك بجذوره الحقيقية لأن الاعتراف بالمشكلة يعني مواجهة منظومة كاملة من المصالح والتصرفات ، لا مجرد خلل عابر يمكن ترقيعه بقرار سريع.
الأسوأ من ذلك هو الإصرار على معالجة النتائج فقط فتُعقد الاجتماعات، تُطلق الشعارات، وربما تُفرض إجراءات شكلية تعطي انطباعًا بالحزم ولكن كل ذلك يبقى بعيدًا عن نقطة البداية غياب العدالة في توزيع الفرص وكأن هناك رغبة ضمنية في تجنب الاقتراب من هذه النقطة، لأنها الأكثر حساسية والأكثر كلفة سياسيًا وإداريًا.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الخطابات، بل من القرارات التي تمس حياة الناس مباشرة فيبدأ عندما تصبح الكفاءة معيارًا لا استثناء، وعندما يشعر الفرد أن هناك نظامًا واضحًا يمكنه الاعتماد عليه فالعدالة ليست فكرة مثالية تُطرح في المناسبات، بل هي شرط أساسي لأي استقرار حقيقي. بدونها، يتحول المجتمع إلى مساحة تنافس غير عادل، يفقد فيها الناس ثقتهم ببعضهم قبل أن يفقدوها بالمؤسسات.
وقد يبدو هذا الكلام بديهيًا، لكن الواقع يقول إن تطبيقه هو التحدي الأكبر. لأن إنهاء المحسوبية لا يعني فقط تغيير أشخاص، بل تغيير ثقافة كاملة فثقافة اعتادت على تبرير الاستثناءات، وعلى تمرير الظلم تحت مسميات مختلفة. كسر هذه الدائرة يحتاج إلى إرادة حقيقية، لا مجرد رغبة في تحسين الصورة.
المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا عندما يصبح الظلم أمرًا مألوفًا وعندما يصل الناس إلى مرحلة يتوقعون فيها غياب العدالة، يصبح إصلاح الوضع أكثر تعقيدًا لأن المشكلة لم تعد في القرارات فقط، بل في الثقة التي تضررت بعمق.
لهذا، فإن السؤال لم يعد إن كنا بحاجة إلى إصلاح، بل من أين نبدأ. والإجابة، مهما بدت صعبة، واضحة: من الجذور لا من القشور ومن إعادة بناء منظومة تقوم على العدالة الحقيقية، لا على التوازنات المؤقتة لأن أي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة لن تنتج إلا مزيدًا من الأزمات، مهما بدت الحلول في ظاهرها مقنعة.
الكاتب من الأردن