فادي السمردلي يكتب : الواسطة تقتل الكفاءة وتُغلق الأبواب في وجه الشباب

بقلم فادي زواد السمردلي  ….

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

 

لم تعد الواسطة مجرد سلوك فردي عابر، بل تحوّلت إلى قاعدة غير مكتوبة تحكم مسارات التعيين في كثير من المؤسسات.د ففي الظاهر، تُرفع شعارات الشفافية وتكافؤ الفرص، لكن في الواقع، تُدار الأبواب الخلفية بكفاءة أعلى من أي نظام رسمي والنتيجة ليست فقط إقصاء شاب أو شابة من فرصة عمل، بل ضرب فكرة العدالة من جذورها، وتحويل الكفاءة إلى قيمة هامشية لا يُعوّل عليها.

الشباب اليوم لا يعاني من نقص في التأهيل أو الرغبة في العمل، بل من نظام يضعه في سباق غير عادل منذ البداية فكيف يمكن لخريج متفوق، قضى سنوات في الدراسة وبناء مهاراته، أن ينافس شخصًا آخر حُسمت نتيجته مسبقًا عبر علاقة أو توصية؟ السؤال هنا ليس أخلاقيًا فقط، بل وجودي ما جدوى الاجتهاد إذا كانت النتيجة لا تُحدَّد بالكفاءة؟

الخطورة لا تتوقف عند حدود الإحباط الفردي فحين تصبح الواسطة معيارًا، تتحول المؤسسات إلى بيئات مغلقة، تُعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس العقليات فتغيب المنافسة الحقيقية، وتتراجع جودة الأداء، لأن من يصل إلى موقعه عبر العلاقة، لن يشعر بالحاجة لإثبات جدارته والأسوأ من ذلك، أن هذه الثقافة تُكافئ الولاء الشخصي على حساب المهنية، فتذوب الحدود بين العمل العام والمصالح الخاصة.

هذا الواقع يخلق فجوة خطيرة بين الشباب ومؤسساتهم فالثقة، التي هي أساس أي علاقة صحية بين المواطن والدولة أو القطاع الخاص، تتآكل بصمت فيشعر الشاب أن جهده غير مرئي، وأن مستقبله لا يُبنى بيده بل يُقرَّر في دوائر مغلقة لا يستطيع الوصول إليها ومع الوقت، يتحول هذا الشعور إلى لامبالاة، أو إلى هجرة، أو إلى انسحاب كامل من المشاركة والإنتاج.

البعض يحاول تبرير الواسطة باعتبارها “واقعًا اجتماعيًا” أو “وسيلة لتسيير الأمور”، لكن هذا التبرير لا يصمد أمام نتائجه فما يُسمّى تسهيلًا، هو في الحقيقة تعطيل لمن يستحق وما يبدو حلًا سريعًا، هو أزمة طويلة الأمد تُضعف المؤسسات وتُفقدها قدرتها على التطور فلا يمكن بناء جهاز إداري كفؤ أو اقتصاد منتج على أساس المجاملة والمحسوبية.

الأمر لا يحتاج إلى تنظير طويل، بل إلى إرادة حقيقية في كسر هذه الحلقة فالشفافية في التعيينات ليست رفاهية، بل ضرورة الإعلان الواضح عن الوظائف، معايير اختيار معلنة، لجان مستقلة، ومحاسبة فعلية—هذه ليست شعارات، بل أدوات يمكن تطبيقها إذا وُجدت الجدية والأهم، خلق ثقافة عامة ترفض الواسطة بدل التكيّف معها.

المشكلة أن الصمت هو الحليف الأكبر لهذه الظاهرة فكثيرون يعرفون أنها موجودة، لكن قليلين يواجهونها.وبين هذا الصمت والتبرير، تستمر الدائرة في الدوران، ويدفع الشباب الثمن مرة تلو الأخرى.

في النهاية، القضية ليست فقط وظائف ضائعة، بل مستقبل يُعاد تشكيله على أسس غير عادلة فإذا استمرت الواسطة في قتل الكفاءة، فلن نخسر فقط فرصًا فردية، بل سنخسر قدرة مجتمع كامل على النهوض. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بجدية إلى متى سنقبل بأن تكون الأبواب مفتوحة للبعض، ومغلقة بإحكام في وجه البقية؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا