صمود – حرية – استقلال : قراءة سياسية وقانونية في دلالات شعار المؤتمر الثامن لحركة فتح
بقلم د.عبدالرحيم جاموس ….
في لحظة وطنية دقيقة، ينعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح تحت شعار “صمود – حرية – استقلال”، لا بوصفه عنوانًا إنشائيًا أو تعبيرًا تعبويًا عابرًا، بل كإطار فكري ناظم يسعى إلى إعادة تعريف معادلة النضال الوطني الفلسطيني، في ظل تحولات إقليمية ودولية عميقة، وتحديات داخلية مركبة.
إن هذا الشعار، في بنيته الثلاثية، يتجاوز الترتيب اللغوي إلى تأسيس علاقة جدلية بين مفاهيمه، حيث يشكل الصمود قاعدة الوجود، وتغدو الحرية أفق الفعل، فيما يمثل الاستقلال غاية المشروع الوطني. ومن هنا، فإن تفكيك هذه الثلاثية يقتضي مقاربة سياسية وقانونية متكاملة، تربط بين الشرعية الدولية والقدرة الوطنية على الفعل.
أولًا: الصمود كحق قانوني وفعل سيادي …
لم يعد الصمود، في التجربة الفلسطينية، مجرد توصيف لحالة نفسية أو اجتماعية، بل ارتقى إلى مستوى الفعل القانوني والسياسي المرتبط بحق الشعب الواقع تحت الاحتلال في البقاء على أرضه ومقاومة سياسات الإحلال والاستيطان.
فالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، يجرّم نقل السكان إلى الأراضي المحتلة، ويمنع تهجير السكان الأصليين، ما يمنح الصمود الفلسطيني بعدًا قانونيًا يتجاوز الخطاب السياسي.
غير أن الصمود، لكي يحتفظ بفاعليته، يجب أن يتحول من حالة دفاعية إلى استراتيجية وطنية شاملة، قوامها تعزيز الوجود الفلسطيني، وتحصين البنية المجتمعية، وإعادة بناء المؤسسات على أسس من الوحدة والكفاءة والشرعية.
فالصمود الحقيقي هو الذي يراكم عناصر القوة، لا الذي يكتفي بإدارة الضعف.
ثانيًا: الحرية كحق غير قابل للتصرف وأفق للنضال..
تشكل الحرية جوهر القضية الفلسطينية، وهي ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل حق أصيل غير قابل للتصرف، كرّسته قواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وقد حظي هذا الحق باعتراف دولي واسع، إلا أن التحدي يكمن في الفجوة بين الاعتراف القانوني وإمكانات التحقق السياسي.
إن الحرية، في السياق الفلسطيني، تفرض إعادة بناء أدوات النضال على قاعدة الوحدة الوطنية، وتفعيل الطاقات الشعبية، واستثمار الشرعية الدولية ضمن استراتيجية سياسية واضحة، قادرة على تحويل هذا الحق من نصوص قانونية إلى واقع ملموس. فالحرية لا تُستعاد بالخطاب، بل بإرادة منظمة، ورؤية موحدة، وقدرة على الفعل.
ثالثًا: الاستقلال بين الشرعية القانونية ومتطلبات التجسيد…
يمثل الاستقلال الغاية النهائية للمشروع الوطني، إلا أن تحقيقه يظل رهينًا بالتفاعل بين الاعتراف القانوني والقدرة السياسية على فرضه. فقد حققت فلسطين تقدمًا في مسار الاعتراف الدولي، إلا أن هذا التقدم لا يزال يصطدم بواقع الاحتلال واستمراريته.
ومن هنا، فإن الاستقلال لا يمكن أن يُختزل في إعلان سياسي أو اعتراف رمزي، بل يتطلب بناء مقومات الدولة: وحدة النظام السياسي، سيادة القانون، استقلال القرار الوطني، وتعزيز قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بكفاءة وفاعلية.
كما يستدعي إعادة تعريف العلاقة مع النظام الدولي، بما يضمن الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة.
رابعًا: التكامل البنيوي للشعار كمدخل لإعادة بناء المشروع الوطني …
تكمن أهمية الشعار في ترابط مكوناته؛ فالصمود دون أفق للحرية يتحول إلى حالة استنزاف، والحرية دون مشروع استقلال تبقى ناقصة، والاستقلال دون قاعدة صمود يصبح هشًا وقابلًا للانكشاف.
إن هذه العلاقة التكاملية تفرض على الفاعل الوطني مقاربة شاملة، تعيد ترتيب الأولويات، وتوحد الجهود، وتستعيد المبادرة.
وعليه، فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق المؤتمر الثامن لا تقتصر على تبني هذا الشعار، بل تمتد إلى تحويله إلى برنامج عمل سياسي وقانوني وتنظيمي، يعيد الاعتبار لحركة فتح كحركة تحرر وطني، ويعزز قدرتها على قيادة المشروع الوطني في هذه المرحلة المفصلية.
خلاصة القول :
إن شعار “صمود – حرية – استقلال” ليس مجرد عنوان لمؤتمر، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة النظام السياسي الفلسطيني على تجديد ذاته، واستعادة وحدته، وبناء استراتيجية وطنية قادرة على مواجهة التحديات الراهنة.
فنجاح هذا الشعار لا يُقاس ببلاغته، بل بقدرته على التحول إلى سياسات ملموسة، تعيد الثقة بين الشعب ومؤسساته، وتفتح أفقًا حقيقيًا نحو إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
5/5/2026 م