الأسرى وقانون الإعدام: تغييب الوعي وحق المقاومة

الكاتب: هبه بيضون …..

 

يطرح إقرار الكنيست لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين سؤالاً أساسياً: هل يعلم الأسرى أصلاً بما صدر بحقهم، أم أنهم مغيّبون داخل جدران السجون؟ هذا السؤال يكشف عن بُعد إنساني وقانوني قلّما يُناقش، إذ يعيش الأسرى في بيئة مغلقة تخضع لرقابة مشدّدة على الأخبار والمراسلات، ما يجعل وصول المعلومة إليهم متقطعاً أو مشوهاً. في كثير من الحالات، لا يعرف الأسير إلا ما يُسمح له أن يعرفه، فيُحرم من إدراك حجم التحولات القانونية التي تستهدف وجوده ذاته.

لكن لو افترضنا أنّ الأسرى علموا بالقانون، فإنّ مجرد معرفتهم به يمنحهم فرصة لتحويل السجون إلى فضاء احتجاجي قانوني ورمزي. يمكنهم عبر محاميهم تقديم اعتراضات جماعية، أو مخاطبة المؤسسات الحقوقية الدولية، أو إصدار بيانات تعكس موقفهم وتعيد تسليط الضوء على قضيتهم. كما يمكنهم تحويل القانون إلى مادة للنقاش والتثقيف داخل المعتقل، بحيث يصبح وعيهم الجماعي أداة لمواجهة محاولات تغييبهم. وحتى أبسط أشكال الاحتجاج، كالإضراب عن الطعام أو الامتناع عن بعض الأنشطة، يمكن أن تتحول إلى رسالة قوية للعالم بأنهم ليسوا مجرد أرقام في ملفات تشريعية، بل بشر يواجهون خطراً وجودياً. بهذا، يصبح الحق بالمعرفة أداة مقاومة بحد ذاته، لأنه يعيد للأسير بعض القدرة على الفعل في مواجهة واقع يسعى إلى تجريده من كل حقوقه.

إنّ تغييب الأسرى عن الاطلاع على القانون ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو جزء من المعركة على الوعي. فإذا ظلّوا معزولين عن معرفة ما يُشرّع ضدهم، فإنّ ذلك يضاعف من خطورة القانون لأنه يقتلهم مرتين: مرة بالعقوبة، ومرة بحرمانهم من حق المعرفة. أما إذا وصلهم الخبر، فإنّ مجرد إدراكهم له يفتح الباب أمام فعل جماعي، ولو محدود، يعيد لهم بعض القدرة على المقاومة، حتى في أكثر الظروف قسوة.

من الناحية القانونية، يجب أن يُتاح للأسرى التواصل مع محاميهم فور صدور مثل هذه التشريعات، وأن يتمكنوا من تقديم اعتراض أو طعن أمام المحاكم أو عبر المؤسسات الدولية. هذا الحق ليس ترفاً، بل هو جزء من أبسط معايير العدالة التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني، حيث يُعتبر اطلاع الأسير على وضعه القانوني شرطاً أساسياً لحماية كرامته الإنسانية. إنّ حرمان الأسير من المعلومة يعني حرمانه من القدرة على الدفاع عن نفسه، ويحوّل العقوبة إلى قرار أحادي الجانب، لا يتيح أيّ مساحة للمواجهة القانونية أو الإنسانية، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ المحاكمة العادلة.

بذلك، يصبح الحق بالمعرفة ليس مجرد إجراء شكلي، بل أداة مقاومة بحد ذاته، لأنه يعيد للأسير بعض القدرة على الفعل بمواجهة واقع يسعى إلى تجريده من كل حقوقه. إنّ النقاش حول هذا القانون لا يكتمل دون التأكيد على أنّ الأسرى ليسوا فقط موضوعاً للعقوبة، بل أطرافاً يجب أن يُعترف لهم بحق الاطلاع والاعتراض. فالقانون الذي يُشرّع الإعدام دون أن يتيح للأسير أن يعلم أو أن يطعن، هو قانون يقتل مرتين: مرة بالجسد، ومرة بالوعي. وهذا ما يجعل من أحقية الأسرى في الاطلاع والتواصل مع محاميهم قضية جوهرية، لا يمكن فصلها عن أيّ نقاش حول شرعية القانون أو أخلاقيته.

[email protected]

[email protected]

الكاتبة من الأردن

قد يعجبك ايضا