فادي السمردلي يكتب: الأردن أولاً في زمن العواصف ثبات البوصلة وسط صراع المشاريع الإقليمية

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها المنطقة، تصبح الأولويات الوطنية مسألة وجود لا مجرد خيار سياسي والأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي وخبرته الطويلة في إدارة الأزمات، يدرك أن بقاء الدولة واستقرارها هو الأساس الذي يُبنى عليه أي دور إقليمي أو التزام قومي لذلك، فإن معادلة “الأردن أولاً” ليست شعاراً عاطفياً أو موقفاً انعزالياً، بل هي تعبير عن فهم عميق لطبيعة المخاطر والتحديات التي تحيط بالدولة في بيئة إقليمية مضطربة.

المنطقة اليوم لا تعيش صراعاً دينياً خالصاً كما يحلو للبعض تصويره، بل تشهد صراع مشاريع سياسية تسعى إلى توسيع النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة وفي هذا السياق، يصبح من الخطأ قراءة المشهد بعين العاطفة أو من خلال خطاب تعبوي يختزل التعقيد في ثنائيات بسيطة فالدول لا تتحرك بدوافع عقائدية مجردة، بل وفق حسابات مصالح وأدوات قوة وتقدير استراتيجي طويل المدى ومن هنا، فإن الموقف الأردني يستند إلى قراءة واقعية للمشهد، ترى في الصراع الدائر تنافساً على النفوذ والهيمنة، وليس معركة بين حق وباطل في معناها المجرد.

إسرائيل، في هذا الإطار، تمثل مشروع قوة يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء من خلال توسيع السيطرة أو محاولة إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والسياسية في المنطقة وأي حديث عن تهجير الفلسطينيين أو إضعاف الوجود الوطني الفلسطيني، خصوصاً في الضفة الغربية، لا يمكن التعامل معه كقضية إنسانية أو سياسية بعيدة عن الأردن فحماية الضفة الغربية ليست فقط مسؤولية فلسطينية أو عربية عامة، بل هي قضية أمن وطني أردني مباشر، ترتبط بالاستقرار الداخلي وبمستقبل الدولة نفسها ولهذا، فإن الأردن يتعامل مع هذه المسألة بمنطق الدولة التي تدافع عن مصالحها الاستراتيجية، لا بمنطق ردود الفعل المؤقتة.

في المقابل، تمثل إيران نموذجاً مختلفاً من المشاريع الإقليمية فهي دولة ذات طموح سياسي واضح، تستخدم أدوات متعددة لبناء نفوذها في المنطقة، بما في ذلك توظيف الخطاب الديني أو دعم قوى محلية في دول مختلفة غير أن فهم هذا المشروع يتطلب قراءة سياسية هادئة، تدرك أن إيران تتحرك وفق منطق الدولة ومصالحها القومية، وليس فقط بدوافع أيديولوجية وبالتالي، فإن التعامل معها يجب أن يكون مبنياً على تقدير استراتيجي دقيق، لا على افتراضات مبسطة أو مواقف انفعالية.

التحدي الحقيقي أمام الأردن لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في الحفاظ على موقعه كدولة مستقلة القرار، قادرة على إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية وفق مصلحتها الوطنية فالاصطفاف غير المدروس قد يضعف القدرة على المناورة، بينما الحياد السلبي قد يُفسَّر ضعفاً أو تردداً ومن هنا، فإن السياسة الأردنية تقوم على مبدأ التوازن الواعي، الذي يحافظ على السيادة الوطنية ويمنع انزلاق الدولة إلى صراعات لا تخدم مصالحها.

لقد أثبتت التجربة أن القرار الأردني لا يُبنى على ردود فعل آنية، بل على تراكم من الخبرة السياسية والمؤسسية التي تعرف كيف تقرأ المخاطر قبل وقوعها فالدولة التي نجحت في عبور أزمات إقليمية متلاحقة، من حروب وصراعات وتحولات سياسية، تدرك أن الاستقرار ليس حالة ثابتة، بل عملية مستمرة تتطلب يقظة دائمة وإدارة حذرة للتوازنات الداخلية والخارجية. ولهذا، فإن صون مؤسسات الدولة وتعزيز ثقة المواطنين بها يظل حجر الأساس لأي استراتيجية وطنية ناجحة.

في زمن العواصف، تتعرض الدول الصغيرة والمتوسطة لضغوط مضاعفة، لأنها تقع في قلب التفاعلات الإقليمية دون أن تمتلك ترف الابتعاد عنها ولكن قوة الدولة لا تُقاس بحجمها الجغرافي أو مواردها الاقتصادية فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على وحدتها الداخلية ووضوح رؤيتها السياسية والأردن، في هذا السياق، يقدم نموذجاً لدولة تعرف حدودها وتدرك مسؤولياتها، وتضع مصلحتها الوطنية فوق كل اعتبار.

إن ثبات البوصلة الأردنية في ظل صراع المشاريع الإقليمية ليس موقفاً ظرفياً، بل هو خيار استراتيجي طويل المدى. خيار يقوم على حماية الدولة قبل أي دور، وعلى الحفاظ على السيادة قبل أي تحالف، وعلى وضع مصلحة الأردن فوق كل حساب وفي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة وتتصاعد فيه الأزمات دون إنذار، يبقى وضوح الأولويات هو الضمانة الحقيقية لبقاء الدولة واستمرارها.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا