التريليونات الضائعة … قواعد للحماية أم بوابات للهيمنة؟

محي الدين غنيم  …..

في مشهدٍ يختلط فيه الغضب بالدهشة، يطرح الشارع العربي تساؤلاً مشروعا : ما الذي جنته دول مجلس التعاون الخليجي من تريليونات الدولارات التي دُفعت للولايات المتحدة الأمريكية على مدى عقود؟ وهل كانت القواعد العسكرية المنتشرة على أراضيها درعًا للحماية أم أداة لترسيخ نفوذ لا يخدم إلا مصالح الآخرين؟
لقد بُنيت العلاقة بين الخليج وواشنطن على معادلة واضحة : المال مقابل الأمن. غير أن الوقائع المتكررة في المنطقة وخاصة في ظل الحروب والتوترات الأخيرة، كشفت هشاشة هذه المعادلة. فحين اشتدت الأزمات، لم تكن تلك القواعد العسكرية قادرة أو ربما راغبة في توفير الحماية الكاملة التي وعدت بها تلك الدول. بل بدت في كثير من الأحيان وكأنها تراقب المشهد من بعيد، دون تدخل حاسم يغير مجرى الأحداث.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: لمن وُجدت هذه القواعد أصلًا؟ هل لحماية دول الخليج وشعوبها، أم لضمان أمن الكيان الصهيوني والحفاظ على توازنات تخدم الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة؟ إن تكرار مشاهد الاستهدافات الأمنية، دون ردع فعلي يعزز الشكوك حول طبيعة هذا الوجود العسكري وأهدافه الحقيقية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الفرصة الضائعة. فالتريليونات التي تدفقت إلى الخارج، كان يمكن أن تُحدث نهضة عربية شاملة لو أُعيد توجيهها نحو الداخل. كان يمكن أن تُبنى بها اقتصادات قوية وتخلق فرص عمل، وتعزز منظومات التعليم والصحة، ليس فقط في الخليج، بل في مختلف الدول العربية التي تعاني من أزمات اقتصادية خانقة.
إن دعم الأشقاء العرب، والاستثمار في التنمية المشتركة، كان سيخلق منظومة أمن حقيقية قائمة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لا على الحماية العسكرية المؤقتة. فالأمن لا يشترى فقط بالسلاح، بل يُبنى بالعدالة والتنمية والتكامل بين الشعوب.
اليوم، ومع تصاعد التحديات، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم هذه السياسات. فهل تستمر دول الخليج في الاعتماد على مظلة خارجية أثبتت محدوديتها؟ أم تتجه نحو بناء قوة ذاتية وتعاون عربي يعيد رسم معادلة الأمن والمصالح؟
إنها لحظة مراجعة … فإما أن تستعاد البوصلة أو تستمر التريليونات في الضياع وتبقى الأسئلة بلا إجابات.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا