الهروب الكبير : عشرات الآلاف يغادرون الكيان… حين تسقط أسطورة “الأمن المطلق” تحت نيران الحرب
محي الدين غنيم …..
في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة، لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّلت إلى اختبار وجودي عميق لصلابة الداخل الإسرائيلي وكشفت عن تصدعات طالما حاولت المؤسسة الحاكمة إخفاءها خلف شعارات القوة والردع.
أبرز هذه التصدعات يتمثل في مشهد الهروب المتزايد لعشرات الآلاف من اليهود من دولة الكيان، في ظاهرة لم تعد قابلة للتجاهل أو التعتيم، رغم محاولات التقليل من حجمها إعلامياً. فمع تصاعد وتيرة التهديدات واتساع رقعة الاستهداف، بدأ الإحساس بالأمان وهو الركيزة الأساسية التي قام عليها المشروع الصهيوني يتآكل بشكل غير مسبوق.
وحين يتحول “الوطن الآمن” إلى ساحة قلق لطالما رُوّج للكيان باعتباره الملاذ الآمن لليهود حول العالم، لكن الحرب الأخيرة قلبت هذه المعادلة. فالملاجئ لم تعد كافية، ومنظومات الدفاع لم تعد مطلقة الفعالية، والخوف بات جزءاً من الحياة اليومية. هذا التحول دفع آلاف العائلات، خاصة من مزدوجي الجنسية، إلى اتخاذ قرار المغادرة ولو مؤقتاً بحثاً عن استقرار مفقود.
هجرة بصمت… وأرقام بلا إعلان ورغم غياب الأرقام الرسمية الدقيقة، فإن المؤشرات الميدانية من ازدحام المطارات إلى ارتفاع طلبات السفر والإقامة في الخارج تعكس واقعاً واضحاً: موجة خروج جماعي تتزايد مع كل تصعيد. هذه الهجرة لا تعلن كنزوح، لكنها في جوهرها تعبير عن فقدان الثقة بالقدرة على الصمود في ظل حرب مفتوحة وغير محسوبة النتائج.
الاقتصاد تحت الضغط… والنخب أول المغادرين واللافت أن جزءاً كبيراً من المغادرين ينتمي إلى فئات حيوية، خاصة في قطاع التكنولوجيا والأعمال. هؤلاء لا يغادرون فقط خوفا من القصف، بل أيضاً من الانهيار الاقتصادي المحتمل. ومع كل مغادرة، يخسر الكيان جزءاً من قوته البشرية والإنتاجية، ما يضاعف من تأثير الحرب داخليا .
هل نحن أمام بداية تصدع استراتيجي؟ قد لا تعني هذه الموجة انهيارا فوريا، لكنها بلا شك مؤشر خطير على هشاشة البنية الداخلية. فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على شن الحروب، بل بقدرتها على الاحتفاظ بسكانها في أوقات الأزمات. وعندما يبدأ السكان بالمغادرة، فإن الرسالة تكون أبلغ من أي خطاب سياسي.
إن خلاصة المشهد .. الهروب المتزايد لعشرات الآلاف ليس مجرد تفصيل عابر في سياق الحرب، بل هو انعكاس لتحول عميق في معادلة الصراع. إنه إعلان غير مباشر بأن “الأمن المطلق” لم يعد قائما، وأن الحرب، حين تطول وتشتد، لا تترك أحداً خارج دائرة الخوف حتى داخل أكثر الكيانات تسليحا.
وفي ظل استمرار التصعيد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ما نشهده اليوم هو موجة عابرة… أم بداية لمرحلة تتآكل فيها أسس المشروع من الداخل؟
الكاتب من الأردن