فادي السمردلي يكتب: تأجيل مؤتمر الاستثمار قرار حكيم أم خسارة اقتصادية؟

بقلم فادي زواد السمردلي  ….

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

في ظل التحديات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم والمنطقة، أصبحت قرارات الاستثمار مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعوامل الاستقرار السياسي والأمني، إضافة إلى مؤشرات الثقة الاقتصادية ومن هذا المنطلق، جاء قرار تأجيل مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي ليطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا القرار وتداعياته على الاقتصاد الوطني، خاصة في مرحلة يسعى فيها الأردن إلى تعزيز بيئته الاستثمارية واستقطاب رؤوس الأموال الخارجية.

لا شك أن المؤتمرات الاستثمارية تمثل منصة أساسية للترويج للفرص الاقتصادية، وبناء شراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص، كما أنها تتيح للمستثمرين الاطلاع على المشاريع التنموية والخطط المستقبلية للدولة وبالتالي، فإن تأجيل مثل هذا الحدث لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراءً إداريًا بسيطًا، بل هو قرار اقتصادي يحمل أبعادًا متعددة، تتراوح بين الحذر الوقائي وبين احتمال فقدان فرص استثمارية كان يمكن أن تسهم في تحفيز النمو الاقتصادي.

من الناحية الاقتصادية البحتة، يعتمد المستثمر الأجنبي في قراراته على عاملين رئيسيين الاستقرار والوضوح وعندما تتأثر هذه العوامل نتيجة ظروف إقليمية أو أمنية غير مستقرة، فإن الحكومات تميل إلى اتخاذ قرارات تحفظية تهدف إلى حماية سمعة الدولة الاستثمارية وتجنب إرسال إشارات سلبية إلى الأسواق وفي هذا السياق، يمكن اعتبار تأجيل المؤتمر خطوة احترازية تهدف إلى ضمان عقده في ظروف أكثر ملاءمة، تضمن مشاركة أوسع ونتائج أكثر فعالية.

إلا أن الجانب الآخر من الصورة يكشف عن تكلفة اقتصادية غير مباشرة لهذا التأجيل. فكل فرصة استثمارية مؤجلة تعني تأخيرًا في خلق فرص عمل جديدة، وتباطؤًا في تدفق رؤوس الأموال، وتأجيلًا في تنفيذ مشاريع تنموية كانت ستنعكس إيجابيًا على الناتج المحلي الإجمالي كما أن المنافسة الإقليمية على جذب الاستثمارات أصبحت أكثر حدة، حيث تسعى العديد من الدول إلى تقديم حوافز استثمارية وتسهيلات تشريعية لجذب المستثمرين، الأمر الذي يجعل عامل التوقيت عنصرًا حاسمًا في نجاح أي مبادرة اقتصادية.

من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى قرار التأجيل باعتباره اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد الأردني على التكيف مع المتغيرات الخارجية فالاقتصاد الحديث لم يعد يعتمد فقط على الموارد التقليدية، بل أصبح قائمًا على المرونة والقدرة على إدارة الأزمات ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في قرار التأجيل ذاته، بل في كيفية استثمار فترة التأجيل لإعادة ترتيب الأولويات، وتحسين البيئة الاستثمارية، وتطوير التشريعات الاقتصادية بما يعزز ثقة المستثمرين ويزيد من تنافسية السوق المحلية.

كما أن هذه المرحلة تفرض على صناع القرار الاقتصادي ضرورة تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتكثيف الجهود لتسويق الفرص الاستثمارية بوسائل بديلة، مثل المنصات الرقمية واللقاءات الثنائية، لضمان استمرار التواصل مع المستثمرين وعدم انقطاع قنوات التعاون الاقتصادي فالعالم اليوم يشهد تحولًا نحو الاقتصاد الرقمي، وأصبحت أدوات التواصل الاقتصادي أكثر تنوعًا ومرونة مما كانت عليه في السابق.

في النهاية، يبقى السؤال المطروح هل كان تأجيل مؤتمر الاستثمار قرارًا حكيمًا أم خسارة اقتصادية؟
الإجابة لا يمكن أن تكون قطعية، لأن القرار يعتمد على موازنة دقيقة بين المخاطر والفرص فإذا استُخدمت فترة التأجيل لتعزيز جاهزية المشاريع وتحسين مناخ الاستثمار، فقد يتحول التأجيل إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد أما إذا طال الانتظار دون خطوات إصلاحية حقيقية، فقد يتحول إلى عبىء اقتصادي يؤثر في وتيرة النمو والتنمية.

وعليه، فإن المستقبل الاقتصادي لا يتحدد بقرار واحد، بل بسلسلة من السياسات والإجراءات التي تعكس رؤية واضحة وقدرة على التخطيط الاستراتيجي فالتحديات الاقتصادية، مهما كانت صعوبتها، يمكن أن تتحول إلى فرص حقيقية إذا ما أُديرت بعقلية اقتصادية واعية تعتمد على التخطيط، والشفافية، واستثمار الموارد بكفاءة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا