الإعلام الحديث: مرآة المجتمع أم صانع الوهم؟

بقلمي: الكاتب والشاعر / د. سُداد البغدادي  ….

العراق /بغداد

لم يعد الإعلام في عصرنا مجرد وسيلة لنقل الخبر أو توثيق الحدث، بل أصبح قوةً فاعلةً تُعيد تشكيل الواقع، وتؤثر في وعي الأفراد، وتحدد أحيانًا طريقة فهمنا للعالم من حولنا. وبين من يراه مرآةً تعكس ما يجري في المجتمع، ومن يراه أداةً تصنع الوهم وتعيد تشكيل الحقائق، يقف الإعلام الحديث في منطقةٍ رمادية تحتاج إلى تأملٍ عميق.

في صورته التقليدية، كان الإعلام يُفترض به أن يكون ناقلًا أمينًا للوقائع، يُقدّم الخبر كما هو، ويمنح المتلقي فرصة تكوين رأيه بناءً على معطيات واضحة. لكن مع تطور التكنولوجيا، وظهور المنصات الرقمية، لم يعد هذا الدور ثابتًا، بل أصبح الإعلام جزءًا من منظومة معقدة تتداخل فيها السياسة، والاقتصاد، والمصالح، وحتى المزاج العام.

اليوم، لا يتلقى الإنسان الخبر فقط، بل يتلقى معه تفسيرًا ضمنيًا، واتجاهًا محددًا، وأحيانًا حكمًا جاهزًا. تُصاغ العناوين بعناية، وتُنتقى الصور بدقة، وتُرتّب الأولويات بما يخدم رواية معينة. وهنا، يتحول الإعلام من مرآةٍ تعكس الواقع إلى عدسةٍ تعيد تشكيله.

لكن هل يعني ذلك أن الإعلام يصنع الوهم بالكامل؟ ليس بالضرورة. فالإعلام، في جوهره، لا يعمل في فراغ. إنه يتأثر بالمجتمع بقدر ما يؤثر فيه. فالميول الجماهيرية، والاهتمامات العامة، وحتى التحيزات الثقافية، كلها تنعكس في المحتوى الإعلامي. بمعنى آخر، الإعلام ليس فقط صانعًا، بل هو أيضًا انعكاس.

غير أن الخطورة تكمن في اللحظة التي يصبح فيها المتلقي غير قادر على التمييز بين الانعكاس والتشكيل. حين يُقدَّم الرأي على أنه حقيقة، أو تُختزل الأحداث المعقدة في سرديات بسيطة، يفقد الإعلام توازنه، ويتحول إلى أداةٍ قد تُضلل بدل أن تُنير.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح كل فردٍ مشروع “وسيلة إعلام”. لم يعد هناك احتكار للمعلومة، لكن في المقابل، لم يعد هناك ضمان لجودتها. وهنا، تتضاعف المسؤولية، لا على المؤسسات الإعلامية فحسب، بل على الأفراد أيضًا. فالمتلقي لم يعد سلبيًا، بل أصبح جزءًا من عملية النشر والتأثير.

إن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان الإعلام مرآة أم صانعًا، بل كيف يمكن أن يكون الاثنين دون أن يفقد مصداقيته. كيف يمكنه أن ينقل الواقع دون تشويه، وأن يحلله دون فرض، وأن يواكب السرعة دون أن يضحي بالدقة.

الإجابة تبدأ من الوعي. وعي الإعلامي بدوره ومسؤوليته، ووعي المتلقي بحاجته إلى التفكير النقدي. فالإعلام، مهما تطور، يبقى أداة، والأداة لا تكون خطرة إلا حين تُستخدم بلا وعي.

في النهاية، قد لا نستطيع إيقاف سيل المعلومات، ولا الحد من تأثير الإعلام، لكننا نستطيع أن نعيد تعريف علاقتنا به. أن نقرأ بوعي، ونشك بذكاء، ونبحث عن الحقيقة خلف العناوين.

فالإعلام، كما هو اليوم، ليس مجرد مرآة ولا مجرد وهم…
بل هو مساحة صراع بين ما هو كائن، وما يُراد له أن يكون.

الكاتب من العراق

قد يعجبك ايضا