كفى فرقة … آن أوان وحدة الصف الإسلامي في وجه الفتن
محي الدين غنيم …..
في زمنٍ تتكالب فيه الأزمات وتتعاظم فيه التحديات التي تستهدف الأمة الإسلامية من كل حدبٍ وصوب، لم يعد مقبولا أن تبقى الخلافات المذهبية وقودا لنيرانٍ تشعلها أطراف لا تريد لهذه الأمة خيرا. لقد كشفت الأحداث الأخيرة، في ظل التوترات والحروب المتصاعدة في المنطقة، حجم الخطر الذي تمثله الفتنة المذهبية حين تتحول إلى أداة بيد من يسعون لتمزيق الصف الإسلامي وإضعافه.
إن مشاهد التحريض المتبادل بين أتباع المذهب السني وأتباع المذهب الشيعي، والتي تتصدر بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل، ليست عفوية ولا بريئة. بل هي في كثيرٍ من الأحيان نتاج حملات منظمة، تقودها أبواق مأجورة، هدفها بث الكراهية وتعميق الانقسام وتحويل الخلاف الفكري إلى صراع وجودي يخدم أعداء الأمة قبل أي طرفٍ آخر.
لقد آن الأوان لوقفةٍ صادقة مع النفس، ندرك فيها أن ما يجمع المسلمين أكبر بكثير مما يفرقهم. فنحن نشترك في كتابٍ واحد، ونبي واحد وقبلةٍ واحدة وتاريخٍ واحد حافل بالإنجازات حين كنا موحدين ومليء بالانتكاسات حين تفرقنا وتنازعنا.
إن التقارب بين المذاهب الإسلامية لم يعد خيارًا فكريا أو ترفا ثقافيًا، بل أصبح ضرورة ملحة تمليها ظروف المرحلة. فالأمة التي تنشغل بصراعاتها الداخلية، لن تستطيع مواجهة التحديات الخارجية ولن يكون لها صوت مؤثر في عالم لا يحترم إلا الأقوياء المتماسكين.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع : العلماء والمثقفين والإعلاميين وحتى عامة الناس. علينا أن نرفض خطاب الكراهية، وأن نُسقط شرعية المنصات التي تعتاش على الفتنة، وأن نُعلي صوت الحكمة والعقل. كما يجب أن نُعيد إحياء ثقافة الحوار، القائمة على الاحترام المتبادل والاعتراف بالتنوع داخل الإطار الإسلامي الواحد.
ولا يعني التقارب إلغاء الاختلاف، بل يعني إدارته بوعيٍ ونضج، بعيدًا عن التخوين والتكفير. فالتاريخ الإسلامي نفسه شهد تعددية فقهية وفكرية، كانت مصدر غنى لا سبب فرقة، حين أُديرت بروحٍ علمية وأخلاقية.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نكون أدواتٍ في معركة لا تخدمنا، وأن نعيد إنتاج خطابٍ يُضعفنا من الداخل، بينما يتربص بنا الآخرون من الخارج. لذلك، فإن قطع الطريق على الأبواق المأجورة، يبدأ من وعي الفرد ومن رفضه أن يكون صدى لخطابٍ مسموم.
إن وحدة الصف الإسلامي ليست شعارا يُرفع، بل مشروع يجب أن نعمل عليه بصدقٍ وإخلاص. فإما أن نختار طريق الوحدة والتكامل أو نبقى أسرى الانقسام والتشرذم … وعندها سندفع جميعًا الثمن.
كفى فرقة… ولتكن هذه اللحظة بداية جديدة نحو أمةٍ أكثر وعيًا، وأكثر تماسكا وأكثر قدرةً على مواجهة التحديات.
الكاتب من الأردن