الأردني والفلسطيني … توأمان لا ينفصلان
محي الدين غنيم ….
في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة أخطر من الرصاصة، لم تعد المعارك تخاض فقط على الحدود، بل انتقلت إلى شاشات الهواتف، حيث تُدار حروب خفية تستهدف العقول قبل الأوطان. وما نشهده مؤخرًا من انتشار صفحات وهمية وحسابات مشبوهة على وسائل التواصل الاجتماعي، ليس أمرا عابرا، بل هو جزء من حرب منظمة تسعى لضرب النسيج الاجتماعي الأردني الفلسطيني في الصميم.
هذه الحسابات المأجورة، التي تقف خلفها جهات معادية، تعمل بأسلوب خبيث ومدروس؛ تبث سموم الفرقة وتزرع الكراهية وتغذي خطابا مقيتا قائما على الأصول والمنابت، وكأنها تحاول أن تمحو تاريخا طويلا من الأخوة والدم المشترك. تطلق الاتهامات الجارحة، وتحرّض طرفا على آخر، مستغلة العاطفة والجهل أحيانا، لتخلق وهمًا بأن هناك صراعا بين الأردني والفلسطيني … والحقيقة أن هذا الصراع لا وجود له إلا في عقول من يخطط له.
إن الحديث عن مصادر هذه الحملات يقودنا إلى غرف مظلمة تدار فيها عمليات تضليل ممنهجة، تتقن فن العبث بالمجتمعات، وتسخر التكنولوجيا لإشعال الفتن. ولا يخفى على أحد أن جهات استخباراتية معادية، إلى جانب أفراد مأجورين في الخارج، يشاركون في هذه الحرب القذرة، مستهدفين الأردن بقيادته الهاشمية وشعبه، لأنه كان وسيبقى صخرة تتحطم عليها مشاريع الفوضى والتقسيم.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في هذه الصفحات، بل في من يصدقها ويتفاعل معها، دون وعي أو تدقيق. هنا تكمن المعركة الحقيقية: معركة الوعي. فكل مشاركة لمنشور مسيء، وكل تعليق يحمل بذور الفتنة، هو بمثابة طلقة توجّه نحو وحدة الصف.
الأردني والفلسطيني ليسا مجرد شعبين تجمعهما الجغرافيا، بل هما امتداد واحد لعائلة واحدة، اختلطت دماؤها على مر العقود، وتقاسمت الألم والأمل، ووقفت جنبًا إلى جنب في مواجهة التحديات. من مخيمات اللجوء إلى مؤسسات الدولة، ومن ساحات العمل إلى ميادين الشرف، لم يكن هناك يوما خط فاصل بينهما، بل كانا ولا يزالان توأمين في جسد واحد.
إن الحفاظ على هذه الوحدة ليس خيارا، بل واجب وطني وأخلاقي. يتطلب وعيًا جماعيًا، ورفضا قاطعًا لكل خطاب كراهية، وموقفا حازمًا ضد كل من يحاول العبث بأمننا الاجتماعي. كما يتطلب دعما للجهات المختصة لملاحقة هذه الحسابات، وكشف من يقف خلفها، وتجفيف منابعها.
في النهاية، نقولها بوضوح : لن تنجح كل محاولات التفريق، لأن ما يجمع الأردني والفلسطيني أكبر من كل المؤامرات. هو تاريخ مشترك، ودم واحد، ومصير لا ينفصل.
فاحذروا… فالمعركة اليوم ليست بالسلاح، بل بالوعي ومن يربح الوعي يحمي الوطن.
الكاتب من الأردن