عندما يغتال الحبر تنتصر الرواية
بقلم نجيب الكمالي …..
في عصر تحولت فيه الحقيقة إلى سلعة قابلة للحظر والكلمة إلى رصاصة قد ترتد على صاحبها لم يعد الصحفي مجرد ناقل للأخبار بل أصبح جزءا من الخبر نفسه يقف على حافة الهاوية ممسكا بقلم قد يكون آخر ما يكتب به اسمه أو كاميرا قد تلتقط آخر صورة قبل أن تسقط
استهداف الصحفيين وآخرهم الصحفية اللبنانية آمال خليل لم يعد حدثا عابرا في زوايا النزاعات بل صار منهجا ممنهجا يعد إدانة واضحة للاحتلال الإسرائيلي وممارساته بحق الإعلاميين بهدف إسكات الرواية قبل أن تروى لكن السؤال الذي يظل مفتوحا كجرح لا يندمل هل يموت الصوت حقا حين يغتال صاحبه
الجواب تقدمه لنا المقابر الجماعية للصحفيين الذين سقطوا في فلسطين والعراق وسوريا واليمن أسماؤهم تحولت إلى نصوص ونصوصهم تحولت إلى شهادات وشهاداتهم صارت مادة تدرس في كليات الإعلام هم لم يرحلوا بل انتقلوا من جسد إلى ذاكرة من خبر عابر إلى وعي جمعي
عندما يغتال الصحفي لا يغتال وعيه وحده بل يحاول القاتل اغتيال الوعي الجمعي لأمة كاملة لكن الحقيقة العنيدة تشبه العشب الأخضر الذي ينبت بين شقوق الإسفلت كل قلم يسقط يلتقطه آخر وكل فم يصمت يصرخ ألف فم مكانه
يكتب الصحفي اليوم تحت وطأة الخوف لكنه يكتب أيضا تحت وطأة الضمير يتساءل هل سينشر هذا المقال قبل أن يحظر هل ستبث هذه الصورة قبل أن تقصف لكنه يكتب رغم الجميع لأنه يعرف أن لا شيء أقوى من كلمة حقيقية في زمن الزيف
القارئ بدوره لم يعد متفرجا كل نص يقرأ هو إعادة إحياء لكاتبه وكل مشاركة لمقال هي وقفة تضامن مع شهيد لم يدفن بعد العالم يتغير لم يعد الصحفي ضحية فقط بل أصبح أثرا لا يمحى
وحين نسترجع أسماء مثل شيرين أبو عاقلة وعددا لا يحصى من الأسماء المجهولة التي سقطت في صمت ندرك أن القضية لم تكن يوما قضية أفراد بل قضية إنسان يبحث عن حقه في المعرفة
الخلاصة أن اغتيال الصوت لا يعني نهاية الحكاية بل بداية أسطورة جديدة أسطورة القلم الذي لا يموت والكلمة التي لا تقيد كلما ازدادت محاولات الإسكات ازداد إصرار الصوت على العودة بأي لغة بأي قناة بأي أسلوب لكنه سيعود
لأن الحقيقة كالليل مهما طال فلا بد أن يطلع فجرها وكالموج مهما تكسر على الصخور سيعود مجددا وكالصحفي مهما اغتيل جسده ستبقى سيرته مدونة في دفاتر الزمن
تبقى الحكاية دائما تبقى
