عقدة أوديب… حين نُعلّم الأطفال أن الرجال لا يبكون “ربما لا تبدأ الهيمنة الذكورية من الشارع أو السياسة… بل من غرفة الطفل.”
د. منى النحلاوي …..
طرح عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد مفهوم “عقدة أوديب” بوصفها مرحلة نفسية يمر بها الطفل بين عمر الثالثة والسادسة، حيث يتعلق بوالدته ويشعر ـ بصورة لا واعية ـ بالغيرة من والده باعتباره منافسًا على الحب والاهتمام.
واستمد فرويد هذا المفهوم من أسطورة أوديب الملك اليونانية، التي تحكي مأساة أوديب الذي قتل والده دون أن يعلم وتزوج والدته، لتصبح رمزًا للصراع النفسي الداخلي لدى الإنسان.
ويرى فرويد أن الطفل يتجاوز هذه المرحلة عبر كبت تلك الرغبات اللاواعية والتماهي مع الأب، فتتشكل هويته الذكورية لاحقًا. لكن القضية لا تقف عند حدود النظرية النفسية فقط، بل تمتد إلى الطريقة التي تعامل بها المجتمع مع هذا المفهوم عبر الزمن.
ومع مرور الوقت، تحولت بعض التفسيرات النفسية إلى أدوات غير مباشرة لتبرير الهيمنة الذكورية، عبر ترسيخ صورة الرجل بوصفه صاحب السلطة والقرار والانضباط العقلي، مقابل تصوير المرأة باعتبارها أكثر عاطفية وأقل قدرة على ممارسة السلطة.
غير أن الدراسات الحديثة في علم النفس والاجتماع أعادت قراءة هذه المفاهيم بصورة مختلفة، معتبرة أن الهيمنة ليست غريزة فطرية خالصة، بل سلوك يُعاد إنتاجه عبر التربية والثقافة والموروث الاجتماعي.
فالطفل لا يولد مؤمنًا بالتفوق الذكوري، لكنه يتعلمه تدريجيًا.
يتعلمه حين يرى السلطة دائمًا بيد الرجل، وحين يُقال له إن “الرجال لا يبكون”، وإن القوة تعني السيطرة لا التعبير عن المشاعر، بينما تُدفع الفتاة نحو الطاعة والصمت والخضوع.
وهنا تصبح الأسرة، دون أن تشعر أحيانًا، أول مساحة لإعادة إنتاج الهيمنة الذكورية داخل وعي الطفل.
فالثقافة لا تكتفي بتفسير السلطة… بل تصنعها أيضًا.
وربما لهذا لم تعد “عقدة أوديب” تُقرأ اليوم بوصفها مجرد مرحلة نفسية فردية، بل باعتبارها نافذة لفهم الطريقة التي تُبنى بها الهوية الذكورية داخل المجتمعات، وكيف يتحول الموروث أحيانًا إلى سلطة غير مرئية تنتقل من جيل إلى آخر.
وفى النهاية يبقى السؤال الأهم:
هل ما زلنا نُربي أبناءنا على الهيمنة الذكورية بصورة غير مباشرة، ثم نندهش لاحقًا من استمرارها داخل مجتمعاتنا؟
باحثة في القضايا الاجتماعية
الكاتبة أردنية تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية