فادي السمردلي يكتب: الطبقة الوسطى لم تعد وسطًا
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في الأردن، لم تعد الطبقة الوسطى كما كانت فالطبقة التي حملت البلد لعقود، ودفعت الضرائب، وربّت أبناءها على فكرة “التعليم يصنع المستقبل”، واعتبرت نفسها دائمًا منطقة الأمان بين الفقر والثراء… بدأت تتآكل بصمت.
المشكلة أن هذا التآكل لا يحدث بشكل درامي واضح، بل بطريقة بطيئة ومؤلمة فموظف كان يستطيع قبل سنوات أن يدير بيته براتب محدود، أصبح اليوم يقضي نصف حياته وهو يحسب الفواتير.
عائلة كانت تعتبر نفسها “مستورة”، أصبحت تخاف من أي طارئ صحي أو مالي.
وأب كان يخطط لمستقبل أبنائه، صار يفكر فقط كيف ينهي الشهر دون ديون جديدة.
الطبقة الوسطى في الأردن لم تسقط فجأة… لكنها تتراجع كل يوم خطوة صغيرة إلى الخلف
وهذا أخطر ما في الأمر.
لأن انهيار الطبقة الوسطى لا يعني فقط أزمة اقتصادية، بل يعني اهتزاز الشعور بالأمان الاجتماعي كله فحين يشعر الموظف، والمعلم، والمهندس، وصاحب الدخل الثابت، أن الحياة أصبحت أثقل من قدرته على الاحتمال، تبدأ الدولة كلها بالشعور بالتعب.
في السابق، كانت الطبقة الوسطى تملك شيئًا مهمًا القدرة على الحلم فقد لا تكون غنية، لكنها كانت تؤمن أن التعب يمكن أن يبني حياة مستقرة ، بيت صغير، تعليم جيد للأبناء، سيارة متواضعة، وإحساس بأن الغد قد يكون أفضل قليلًا.
اليوم تغيّر كل شيء.
الراتب نفسه لم يعد يكفي الحياة نفسها ،الكهرباء، الإيجار، الأقساط، الوقود، المدارس، العلاج… كل شيء يرتفع، بينما يبقى دخل كثير من الناس واقفًا في مكانه، كأنه خارج الزمن.
حتى شكل الحياة اليومية تغيّر.
الناس أصبحت تؤجل الشراء، تؤجل السفر، تؤجل العلاج أحيانًا، وتعيد حساب أبسط التفاصيل
فالخروج العادي أصبح مكلفًا، والراحة أصبحت شعورًا مؤجلًا، والادخار تحول عند كثيرين إلى فكرة ساخرة أكثر منه خطة حقيقية.
الأخطر أن كثيرًا من أبناء الطبقة الوسطى لم يعودوا يشعرون أنهم “في المنتصف” فهم ليسوا فقراء بالمعنى التقليدي، لكنهم أيضًا لم يعودوا يعيشون حياة مستقرة يعيشون في منطقة مرهقة بين الخوف من السقوط، ومحاولة الحفاظ على صورة “الحياة الطبيعية”.
لهذا يبدو التعب النفسي حاضرًا بقوة لأن الإنسان حين يشعر أنه يعمل طوال الوقت فقط ليمنع نفسه من الانهيار، يبدأ تدريجيًا بفقدان الإحساس بالحياة نفسها.
حتى العلاقات الاجتماعية تغيّرت تحت ضغط هذا التآكل فالزيارات أقل، المناسبات أثقل، والناس أصبحت أكثر انشغالًا بالنجاة الفردية من أي وقت مضى وكأن الضغط الاقتصادي سحب من المجتمع جزءًا من دفئه القديم.
ومع ذلك، ما تزال الطبقة الوسطى تحاول الصمود
وتحاول الحفاظ على تعليم أبنائها، وعلى شكل الحياة الذي تعرفه، وعلى كرامتها أيضًا ولكنها تفعل ذلك اليوم بتعب أكبر بكثير من السابق.
وفي النهاية، أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس فقط ارتفاع الفقر، بل اختفاء المنطقة التي كانت تمنح الناس الشعور بالتوازن والأمل والاستقرار.
لأن الطبقة الوسطى ليست مجرد أرقام اقتصادية…
هي الشعور العام بأن الحياة ما تزال ممكنة.
الكاتب من الأردن