لما انا مؤدب سأخاطب معالي الوزير بما يستحق . حكومات الشتائم متى تعاقب

بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي .
…………….
استحوا …عيب عليكم …اولاد شوارع …مسبات ولعنات ووصوفات سيئة …نطق بها وزراء او ذوي الوزراء بحق الشعب .

كنتُ أظن — يا سادة — أن الوظيفة العامة بابٌ يدخل منه الإنسان إلى الوقار، فإذا بي أكتشف أنها عند بعضهم بابٌ خلفيٌّ يدخل منه إلى سوق الخضار، فيقف على منبر الدولة كما يقف “العتّال” على صندوق البندورة، لا يفرّق بين خطابٍ للشعب ومشاجرةٍ في حارةٍ ضيقة بين صاحب بسطـة وبائع فجل!
وكنت أظن أن المسؤول إذا غضب قال: “أيها الناس، أخطأتم”، فإذا ببعضهم يقول: “يا قوم، ما أوقحكم وما أسوأكم!” كأن الشعب ابنُ زوجته الثانية، أو كأن الوطن دكّانٌ ورثه عن جدّه الأكبر!
يا للعجب!
أصبح بعض المسؤولين إذا رأى مخالفة مرورية تصرّف كأن المغول عادوا إلى بغداد، وإذا رأى شابًا يطلق عيارًا ناريًا في عرس، خطب في الناس خطبة الحجاج بن يوسف بعد وجبة فلافل حارّة!
أما الأدب… فقد مات رحمه الله، ودُفن دون صلاة جنازة.
فالرسول ﷺ — وهو أعظم البشر خُلقًا — ما كان فاحشًا ولا متفحشًا، وكان إذا أراد النصح قال: “ما بال أقوام…”، فيستر المسيء كأنما يغطيه بردائه. أما اليوم فقد ظهر علينا قومٌ إذا أخطأ رجل في آخر المدينة شتموا سكان المملكة من العقبة إلى الرمثا، وربما شتموا الأحياء والأموات احتياطًا!
ثم يخرج علينا أحدهم متجهم الوجه، نافخ الأوداج، كأنه فاتح القسطنطينية، ليقول للناس إنهم بلا أخلاق!
سبحان الله…
الرجل الذي لا يستطيع أن يضبط لسانه خمس دقائق يريد أن يضبط شعبًا كاملًا!
والأعجب من ذلك أن بعضهم يظن الوقاحة “هيبة”، وأن رفع الصوت “حزم”، وأن الإهانة “إصلاح إداري”، مع أن الحمار — أعزكم الله — يرفع صوته أكثر من جميع الحكماء، ولم يقل أحد يومًا إنه أصبح فيلسوفًا بسبب نهيقه!
لقد تعلم الناس من الملوك قبل الوزراء، ومن الكبار قبل الصغار، ولذلك حين قال جلالة الملك : “لو أن ابني ولي العهد أخطأ فليُطبق عليه القانون”، فهم الناس معنى الدولة، لأن الاحترام أقوى من الصراخ، والهيبة تُولد من العدل لا من الشتيمة.
أما هؤلاء الذين سقطوا علينا بالمظلات الإدارية، فلا أحد يعرف من أين جاؤوا؛ كأن الأرض لفظتهم فجأة أثناء عاصفة ترابية، ثم وجدوا أنفسهم أمام الكاميرات، فقرروا أن يحكموا البلاد بأسلوب مختار الحارة الغاضب!
ولو فتشت في قاموس أحدهم عن كلمة “مواطن” لوجدت معناها: “كائن حي يُستخدم لتفريغ العصبية والتوتر”.
ويا ليتهم اكتفوا بذلك…
بل إن أحدهم إذا أخطأ مواطن، غضب على الشعب، وإذا أخفق مسؤول، غضب على الشعب، وإذا انقطعت الكهرباء، أو تعطلت الإشارة، أو احترق المحول، أو تأخر المطر… غضب أيضًا على الشعب!
حتى ليخيّل إليك أن المواطن الأردني هو المسؤول عن ثقب الأوزون، وارتفاع الدولار، وتأخر الشتاء، وانقراض الديناصورات!
أيها السادة…
إن احترام الناس ليس مِنّة من أحد، والأدب ليس ضعفًا، والمنصب لا يحوّل الإنسان إلى وصيٍّ على كرامات البشر.
فالذي لا يعرف كيف يخاطب الناس، لا يستحق أن يتصدر الحديث باسمهم.
وما جناه الشعب من صمته على الوقاحة، هو أن الوقاحة نفسها بدأت تظن أنها فضيلة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا