فادي السمردلي يكتب : الأردن يدفع ثمن حرب لم يخضها خسائر بالملايين وملف تعويضات ينتظر أن يُفتح
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
شاهدنا دائما كل مرة تشتعل فيها المنطقة، يجد الأردن نفسه أمام اختبار جديد دولة اختارت منذ عقود طريق الاعتدال والاستقرار، ودفعت أثمانًا كبيرة للحفاظ على أمنها وحدودها واقتصادها، لكنها في المقابل تجد نفسها تتحمل تبعات أزمات لم تكن طرفًا فيها، وقرارات لم تُتخذ في عمّان.
اليوم، لا يتعلق الأمر فقط بموقف سياسي أو بيان إدانة، بل يتعلق بحسابات اقتصادية حقيقية بدأت تظهر آثارها على قطاعات حيوية، وفي مقدمتها السياحة والاستثمار والنقل والتجارة. فالأردن يدفع كلفة حرب لم يخضها، ويتحمل خسائر في وقت كان ينتظر فيه موسمًا سياحيًا واعدًا يشكل مصدرًا مهمًا للدخل وفرص العمل.
المشكلة ليست في أن الأردن تأثر، فهذا أمر متوقع بحكم موقعه الجغرافي، لكن السؤال الأهم إلى متى سيبقى الأردن يتلقى الأضرار ويكتفي بإصدار البيانات؟ ومتى تتحول الخسائر الموثقة بالأرقام إلى ملف سياسي واقتصادي واضح على طاولة المجتمع الدولي؟
الأردن لم يختر موقعه على خارطة الصراع، لكنه دفع مرارًا ثمن هذا الموقع فمنذ سنوات، أثبت أنه دولة مسؤولة تحافظ على أمنها واستقرارها، وتتعامل مع أزمات الإقليم بمنطق الدولة لا بمنطق الانفعال. لكنه في الوقت ذاته ليس من العدل أن يصبح استقراره عبئًا اقتصاديًا يتحمله وحده.
القطاع السياحي، الذي كان يستعد لاستقبال موسم قوي، هو من أكثر القطاعات حساسية تجاه أي اضطراب إقليمي. السائح الذي يقرر زيارة الأردن لا يفرق دائمًا بين دولة مستقرة وأخرى تشهد صراعًا، بل ينظر إلى صورة المنطقة ككل. وهنا تظهر الخسارة الأردنية: فنادق تتأثر، حجوزات تتراجع، شركات سياحية تتحمل أعباء إضافية، وفرص اقتصادية تضيع بسبب أحداث تقع خارج حدود المملكة وخارج قرارها.
ولا تتوقف الخسائر عند السياحة فقط، فكل اضطراب إقليمي يرفع كلف النقل والتأمين والتجارة، ويزيد الضغوط على الاقتصاد الأردني الذي يعمل أصلًا في بيئة مليئة بالتحديات.
لكن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مرحلة وصف الضرر إلى مرحلة إدارة الضرر.
على الحكومة الأردنية أن تبدأ ببناء ملف وطني متكامل يوثق حجم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الأزمات الإقليمية، لا باعتباره شكوى، بل باعتباره حقًا سياسيًا واقتصاديًا لدولة تحملت مسؤوليات تفوق حجم إمكانياتها.
هذا الملف يجب أن يتضمن أرقامًا دقيقة للخسائر التي لحقت بالقطاعات المختلفة، وأن يقدم للجهات الدولية والدول الداعمة باعتباره قضية تتعلق بالعدالة وتحمل المسؤولية، وليس مجرد طلب مساعدات ظرفية.
فالدول التي تتأثر اقتصاديًا بسبب حروب أو أزمات خارج إرادتها تحتاج إلى ضمانات وآليات دعم واضحة، خصوصًا عندما تكون ملتزمة بدورها في حفظ الاستقرار الإقليمي ومنع توسع الأزمات.
أما الأردنيون، وهم المعنيون الأولون بهذه القضية، فعليهم أن يدركوا أن الدفاع عن مصالح الوطن لا يعني فقط الوقوف خلف المواقف السياسية، بل يعني أيضًا المطالبة بحقوقه الاقتصادية. فالأردن دولة دفعت الكثير مقابل استقرارها، والاستقرار قيمة يجب أن تُقدّر لا أن تُستغل.
المطلوب اليوم ليس خطابًا تصعيديًا، ولا البحث عن خصومات جديدة، بل تحرك دبلوماسي واقتصادي ذكي يحول الأضرار إلى أوراق تفاوض، والخسائر إلى مطالب واضحة.
الأردن لا يطلب تعويضًا عن موقف سياسي، بل عن أضرار اقتصادية واقعية ولا يطلب امتيازًا، بل يطالب بأن يتحمل المجتمع الدولي جزءًا من كلفة الأزمات التي لم يكن صانعًا لها.
لقد حان الوقت لأن يصبح السؤال واضحًا إذا كان الأردن يدفع ثمن استقرار المنطقة، فمن يتحمل ثمن الأضرار التي لحقت به؟
فالبيانات تُنسى، لكن الملفات الموثقة تبقى والاحتجاجات السياسية تنتهي، لكن الحقوق الاقتصادية تحتاج إلى من يطالب بها.
الأردن لم يخض هذه الحرب، لكنه دفع جزءًا من فاتورتها. والمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تحويل هذه الفاتورة إلى ملف تفاوضي يحفظ حق الدولة وكرامة المواطن.
الكاتب من الأردن