واحد وعشرون سؤالا أمام المشرعين قبل إقرار مشروع قانون التنظيم المهني لسنة 2026

بقلم: د. رلى الفرا ( الحروب)  …..

يصوت النواب اليوم الموافق 22/7/ 2026 على مشروع قانون تنظيم العمل المهني لسنة 2026.
وكان المشروع قد أحيل من قبل مجلس النواب إلى لجنة العمل النيابية لدراسته ومناقشته يوم الاحد الماضي الموافق 12/7/2026، وهو اليوم الاول في افتتاح الدورة الاستثنائية، واجتمعت اللجنة الموقرة اجتماعين بتاريخ 13/7 و 15/7 حيث اقرته في جلسة الخميس الموافق 15/7/2026 ، أي بعد ثلاثة أيام فقط من إحالته إليها من عموم المجلس، ودون دعوة أي من النقابات العمالية أو نقابات أصحاب العمل، أو الاحزاب السياسية او مراكز الدراسات العمالية، او غرف الصناعة والتجارة، أو اتحاد المزارعين، او اي جهة أخرى معنية بالدفاع عن حقوق العمال واصحاب العمل.
بل إن اللجنة الموقرة لم تدع أيا من الجهات والمنظمات الدولية التي تشرف وتراقب على أوضاع العمل والعمال في الأردن، وفق معايير دولية نظمها القانون الدولي، لا سيما منظمة العمل الدولية وممثلي الاتحاد الاوروبي الذين مولا الاردن بعشرات الملايين من الدنانير لدعم برامج التدريب المهني وقوننتها، وأنتجا عشرات الوثائق المهمة التي يفترض بالتشريع الجيد العودة إليها للاستفادة مما تضمنته من إرشادات تشريعية وضعتها خبرات دولية معتبرة!!!
هذا المشروع الذي يمس حياة اكثر من مليون عامل اردني يعملون في القطاع الخاص غير المنظم، يعيلون أربعة ملايين اردني آخرين على الاقل، ويطال مالكي المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر والتي تمثل 75% من الاقتصاد الوطني، لم يفتح حوله حوار وطني في أي مرحلة من مراحل إعداده، وصولا إلى إحالته إلى لجنة العمل النيابية، ولم يستشر فيه أحد في أي مرحلة من تلك المراحل، بل إن عدد من حضر مناقشته من النواب داخل لجنة العمل النيابية من غير أعضاء اللجنة لم يتجاوز ثمانية نواب بحسب ما يظهره القرار رقم (2) المرفق بجدول أعمال الجلسة التشريعية الثالثة والمنشور على موقع مجلس النواب!!
ومع كل الاحترام، للجنة العمل النيابية الموقرة، فإنها وقبل أن تتعجل في إقرار مشروع القانون بعد ثلاثة أيام فقط من إحالته إليها من عموم المجلس، كان عليها أن تسأل وزير العمل السؤال المركزي التالي قبل الدخول في أي تفاصيل:
لماذا نلغي قانون تنظيم العمل المهني لسنة 2019؟ هل فشل في تحقيق أهدافه؟ وهل أجرت الوزارة دراسات تقيم الاثر الاقتصادي والاجتماعي والتنظيمي لتطبيق القانون؟ وما الداعي لاستبداله بقانون جديد؟ وما الذي يغيّره أو يضيفه مشروع قانون تنظيم العمل المهني لسنة 2026؟ ثم هل أجرت الوزارة دراسة أثر للمشروع الجديد قبل إرساله إلى مجلس الأمة، كما تلزمها بذلك المادة (4) من نظام التنظيم الجيد وتقييم الاثر للتشريعات والسياسات الذي أقرته الحكومة الحالية سنة 2025؟
أولاً: هل نحن أمام فراغ تشريعي يستدعي الاستعجال في إقرار مشروع القانون؟
الأردن لا يعيش اليوم من دون قانون لتنظيم العمل المهني؛ فهناك قانون نافذ منذ عام 2019 جاء خلفا لقوانين أخرى سبقته في تنظيم العمل المهني منذ سنة 1999، وبالتالي، فإننا لسنا أمام حالة طارئة تستدعي الاستعجال لوجود فراغ تشريعي !!
فالقانون النافذ ينظم بصورة أساسية المهن والمحال المهنية، ويشترط تصنيف المحل، وتوافر شروط السلامة والتجهيزات والمستوى المهني للعاملين، ويربط رخصة المهن بشهادة تصنيف المحل، ويجيز التفتيش وفرض الغرامات والإغلاق.
أما مشروع قانون 2026 الذي يلغي قانون 2019 النافذ فلا يكتفي بتنظيم المحل، بل يوسع التنظيم ليشمل العامل نفسه، ومزودي التدريب، والبرامج التدريبية، والمدربين، والاختبارات المهنية، وإجازات مزاولة المهنة، والتفتيش والرقابة، دون أن يعترف اعترافا صريحا بالخبرة السابقة، مع وجود تحول خطير في فلسفة القانون، إذ يحول العمل الحرفي والمهني المشروع الى عمل غير مشروع، ويحول التنظيم المهني إلى تجريم وتغريم، ويمنع العامل من ممارسة العمل الحرفي ما لم يحصل على رخصة مزاولة مهنة، ويغرمه من 200 دينار إلى ألف دينار مع احالته للمحكمة، ويسحب صلاحيات القاضي في تخفيف العقوبة في حال وجود أسباب مخففة تقديرية، ويلزم المحكمة بان تأمر العامل بإزالة المخالفة أي بالامتناع عن العمل تماما إلى حين الحصول على رخصة مزاولة مهنة.
وفي حال وجود محل ثابت او متحرك يمارس من خلاله العامل عمله، فإن مفتش العمل يملك إنذار العامل وإغلاق المحل إن وجد بقرار من الوزير، وإعادة فتحه بقرار من الوزير في حال تصويب المخالفة، بل إنه يملك صلاحية الضابطة العدلية الممنوحة له بموجب قانون اصول المحاكمات الجزائية، وبالتالي فإن من صلاحياته: استقصاء الجرائم وجمع الأدلة والقبض على المشتبه بهم وإحالة الاوراق والملفات الى النيابة العامة والمحاكم، بمعنى أننا نحول عمال الأردن من عاملين إلى مشتبه بهم، ونجيز توقيفهم وتغريمهم وتجريمهم لا لشيء، إلا لأنهم يمارسون حرفة توارثوها أبا عن جد، او تتلمذوا فيها على أيدي معلمين مهنيين، أو مارسوها بسبب ضيق الحال وانغلاق فرص العمل، لا سيما وأن معظمهم من صغار الكسبة الذين غادروا المدرسة في سن مبكرة، وينحدرون من أسر إما مفككة أو ذات دخول متدنية وأوضاع اجتماعية صعبة !!
كل ذلك :
1. دون أن ينص القانون على المهن المشمولة به، فهي متروكة لتقدير الوزير بناءا على الاطار الوطني للمؤهلات، وبالعودة إلى نظام الاطار الوطني للمؤهلات، فإنه لا يوجد حصر للمهن التي يشملها، وهذا يعني ان القرار هو قرار الوزير.
2. ودون تصنيف للمهن، بمعنى ان القانون يطلب هذه الرخصة من الجميع دون تمييز بين المهن الخطرة ومتوسطة الخطورة وغير الخطرة.
3. ودونما تدرج في التطبيق أو منح مدة زمنية كافية لتصويب الاوضاع قبل الدخول في وضع المخالفة للقانون والتحويل للمحاكم ودفع الغرامات وإغلاق المحال الثابتة والمتنقلة ومنع الاشخاص من المزاولة، فالقانون يمنح اصحاب المحال مهلة سنة، في حين انه لا يمنح العاملين الافراد اي مهلة فعليا، سوى مهلة نفاذ احكام القانون، وهذا يعني أنهم بمجرد نفاذ احكامه سيصبحون في وضع مخالف، علما بان كل الدول التي طبقت قوانين مماثلة منحت مددا زمنية كافية وتدرجية للتصويب مقسمة الى فئات بناءا على خطورة المهنة وانتشارها جغرافيا ومعايير أخرى.
4. ودونما اعتراف بالخبرة السابقة والتلمذة المهنية المعترف بها في أنحاء العالم.
5. وباشتراط التدريب اولا ثم الامتحان الوطني ثانيا، وجعل الذهاب للامتحان اولا هو استثناء يمنحه الوزير، بدلا من العكس، فالأصل ان يتقدم العامل للامتحان، فإن نجح في اجتيازه حصل على رخصة المزاولة وإن لم ينجح عاد إلى التدريب.
6. ودونما قدرة واقعية او فعلية على استيعاب مليون عامل اردني يعملون في القطاع غير المنظم ليتم تدريبهم وامتحانهم ثم منحهم رخص مزاولة المهنة، وهذا يعني تعطيلهم عن اعمالهم والزامهم بالجلوس في المنزل دون مصدر للدخل، كي لا يتحولوا الى مخالفين للقانون، وبالتالي، فإنهم سيبقون دون اي مصدر للدخل طيلة مدة التعطل الى ان يحصلوا على الرخصة.
7. ودونما نص واضح يلزم وزارة العمل بدفع تكاليف التدريب والامتحان والنقل نيابة عن هؤلاء العمال، لا سيما وأن الكثيرين منهم يقعون في فئة غير المقتدرين.
8. ودونما حوار وطني حول القانون، ودونما إشراك لاي جهة تمثل العمال، فلا النقابات العمالية دعيت، ولا مراكز الدراسات دعيت، ولا الاحزاب السياسية دعيت، بل إن الكثير من هذه المهن غير المنظمة ليس لها نقابات بالأساس لتدافع عن مصالحها.
وبعبارة أبسط، فإن:
قانون 2019 النافذ ينظم بصورة رئيسة المكان الذي تُمارس فيه المهنة؛ أما مشروع قانون 2026 فيتجه إلى تنظيم العامل نفسه، ويتحكم في الطريق الكامل لدخول الإنسان إلى المهنة واستمراره فيها، إلى درجة أنه يغلق باب النفاذ إلى العمل، خلافا لنص المادة 23 من الدستور التي تجعل العمل حقا والدولة تنظمه عبر النهوض بالاقتصاد الوطني والمادة 128 التي تنص على ان القوانين التي تصدر استنادا الى هذا الدستور، لا ينبغي ان تفرغ الحقوق الدستورية من مضمونها، كما أنه يعتدي على الحقوق المكتسبة، ويطال بأثر شبه رجعي مهنا كان اصحابها يمارسونها بشكل مشروع ليحولهم الى وضع غير مشروع، فيغرمهم ويجرمهم ويمنعهم من العمل دون الحصول على إجازة مزاولة مهنة، مع العلم بان هذه حرف وليست مهنا كالطب والهندسة والتمريض والمحاماة التي تنظمها نقابات مهنية أنشئت بموجب قوانين، والكثير من هذه الحرف لا يملك نقابات عمالية للدفاع عن حقوقه بالأساس، أو لتنظيم المهنة أو ترخيصها، فكيف اذن يطلب منهم رخص لمزاولة “مهن” لا تملك حتى نقابات !
وهذا هو جوهر التحول والخلاف حول المشروع.
ثانيا: ماذا ينظم قانون 2019 النافذ؟
قانون تنظيم العمل المهني رقم (11) لسنة 2019 قانون قصير نسبياً، يتكون من 13 مادة، ويركز أساساً على المحال المهنية وتصنيفها والرقابة عليها.
1. لا يطبق تلقائياً على كل المهن
لا تسري أحكام قانون 2019 على جميع المهن دفعة واحدة، بل على المهن والمحال التي يقرر مجلس الوزراء شمولها بأحكامه، بناءً على تنسيب وزير العمل.
أي أن الأصل هو عدم الشمول، ثم تقرر الحكومة المهن والمحلات التي سيطبق عليها القانون.
2. يصنف المحال المهنية
يقسم القانون المحال إلى مهن وفئات، ويحدد شروط كل مهنة أو فئة، ومنها:
• مساحة المحل وارتفاعه.
• المعدات والتجهيزات الواجب توافرها.
• متطلبات السلامة والصحة المهنية.
• المستوى المهني للعاملين وعددهم.
وبعد استيفاء الشروط، تصدر وزارة العمل شهادة تصنيف للمحل.
3. يمنع العمل في محل غير مصنف
يحظر القانون مزاولة المهنة في محل لم يحصل على شهادة التصنيف، ويلزم صاحب المحل بتعليق الشهادة في مكان ظاهر، والاحتفاظ بشهادات المستوى المهني وإجازات مزاولة المهنة للعاملين لديه.
4. يربط رخصة المهن بتصنيف المحل
لا يجوز للمحل الحصول على رخصة مهن أو تجديدها من البلدية أو الجهة المختصة إلا إذا كان حاصلاً على شهادة تصنيف من وزارة العمل.
5. يتناول المستوى المهني للعاملين بإيجاز
نص القانون على تصنيف العاملين المهنيين إلى فئات ودرجات، وعلى منحهم إجازات مزاولة المهنة، لكنه أحال تنظيم ذلك إلى التشريعات النافذة، ولم يبنِ داخله منظومة تفصيلية شاملة للتدريب والاختبار والترخيص.
6. يمنح الوزارة صلاحية التفتيش
تتولى وزارة العمل التفتيش على المحال للتحقق من التزامها بمعايير التصنيف وشروط السلامة والتجهيز والمستوى المهني المطلوب.
7. يفرض عقوبات على صاحب المحل
تتدرج العقوبات في قانون 2019 بين:
• غرامة من 100 إلى 500 دينار لمخالفة شروط التصنيف أو استخدام مهنيين غير مصنفين أو أقل من المستوى المطلوب.
• غرامة من 200 إلى 1000 دينار لمزاولة المهنة في محل غير مصنف أو التأخر في تجديد شهادة التصنيف.
• الإغلاق المؤقت إلى حين تصويب المخالفة.
• الإغلاق النهائي إذا لم تُصوب المخالفة خلال سنة.
• الحبس من شهر إلى ستة أشهر لمن يعيد فتح محل صدر قرار بإغلاقه.
إذن، قانون 2019 ليس قانوناً خالياً من القيود أو العقوبات، لكنه يتمحور أساساً حول المحل وصاحبه وشروط تشغيله.
ثالثا: ماذا يضيف مشروع قانون 2026؟
مشروع 2026 ينقل التنظيم إلى مستويات أوسع بكثير، فيبني منظومة مترابطة تشمل أربعة أطراف: العامل، ومزود التدريب، والمدرب والبرنامج، والمحل المهني.
1. إجازة مزاولة المهنة تغلق باب النفاذ الى السوق
يتجه المشروع إلى اشتراط الحصول على إجازة أو شهادة مزاولة مهنة قبل ممارسة المهنة، بل ويحظر مزاولة اي مهنة حرفية او تقنية او فنية دون الحصول على هذه الاجازة ودونما حصر للمهن التي يشملها القانون، ودونما تصنيف للمهن بحسب خطورتها وربط الخطورة بالرخصة!
وبحسب التفسير الرسمي الذي قدمته وزارة العمل، لن يُسمح للعامل بمزاولة المهنة من دون إجازة، ولو كانت لديه خبرة طويلة، إلا بعد اجتياز اختبار مهني. ومعنى ذلك أن العامل صاحب الخبرة لم يعد يكفيه إثبات أنه يمارس المهنة أو يعمل في محل مصنف؛ بل يصبح مطالباً بالدخول في مسار التدريب ثم الامتحانات لإثبات الكفاءة والحصول على الإجازة.
كما يعني أن العامل الجديد لن يتمكن من النفاذ الى سوق العمل دون اجتياز مراحل التدريب والامتحانات والرخصة، علما بأن مؤسسة التدريب المهني تشترط لقبول المتدربين في برامج العامل الماهر ان يكون حاصلا على شهادة العاشر الاساسي ولبرامج العامل الفني ان يكون حاصلا على توجيهي ناجح، وهذا يعني فعليا حرمان عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل وممن يمارسون العمل الحرفي بالفعل من حقهم في التدريب، حيث ان الكثيرين منهم لا يملكون هذه الشهادات، كما يعني فعلا تضخيم نسب البطالة بدلا من تقليصها!!!
والحق ان لجنة العمل النيابية قد أدخلت تعديلا موفقا على المادة (8) حين نصت على انه يسمح لمن يملك خبرة مسبقة بالتقدم للاختبارات مباشرة دون اشتراط اجتيازه برنامجا تدريبيا، في حين ان مشروع القانون كان يربط ذلك بالتقدم بطلب للوزارة لاستثنائهم من شرط التدريب، مع تمسكنا بأن اصحاب الخبرة السابقة إن أثبتوا خبرتهم يفترض ان يتم إعفاؤهم من الاختبارات والتدريب وان يكونوا مرخصين حكما بموجب القانون.
2. ترخيص مزودي التدريب المهني والتقني وعدم الاعتراف بالتلمذة المهنية
يشترط المشروع على مزودي خدمات التدريب المهني والتقني في القطاعين العام والخاص، الحصول على ترخيص من وزارة العمل، وهذا يعني عدم الاعتراف بالتلمذة المهنية، وعدم السماح لاصحاب الورش والمحترفات والمصانع والمزارع وغيرها بتدريب عمالهم بأنفسهم، دون الحصول على رخصة من وزارة العمل، وهذا بحد ذاته أمر غير واقعي ولا ينسجم مع معطيات السوق، وسيتسبب في إشكاليات كبرى ويضيف أعباء مالية على كاهل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر .
3. تنظيم الاختبارات المهنية دون حصرها بالقطاع العام
لا يقتصر المشروع على التدريب، بل ينظم كذلك الاختبارات المهنية التي يتعين اجتيازها للحصول على إجازة مزاولة المهنة، دون ان يحصر تلك الجهات بالقطاع العام. والحقيقة ان لجنة العمل النيابية قد أدخلت تعديلا مهما حين حصرت جهات الاختبار بالمؤسسات العامة، ولا نعرف إن كان هذا التعديل سينجح ام لا.
4. إدخال القطاع الخاص في تصميم البرامج التدريبية وتنفيذها واجراء الامتحانات الوطنية
لأن قدرة المؤسسات الحكومية على تدريب واختبار أعداد كبيرة من العاملين محدودة جدا، يتيح المشروع ترخيص جهات خاصة ليس فقط لتقديم خدمات التدريب، وإنما لتصميم التدريب وإجراء الاختبارات المهنية والتقنية وفق الأنظمة التي ستصدر.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة المركزية :
• كيف يسمح للقطاع الخاص بتصميم برامج التدريب المهني في حين انها ينبغي ان تكون مسؤولية وزارة العمل واللجنة العليا لتنظيم العمل المهني والتقني التي انشأها القانون وهيئة الاعتماد والجودة؟
• وهل يعقل ان يكلف القطاع الخاص بإجراء الامتحانات الوطنية؟ وما هو دور هيئة الاعتماد والجودة إذا؟ ( مع الاشادة بالتعديل الذي ادخلته لجنة العمل النيابية بقصر إجراء الامتحانات الوطنية على المؤسسات الرسمية، والذي لا نعرف إن كان سينجح اليوم تحت القبة ام لا).
• عندما يصبح التدريب أو الاختبار شرطاً إلزامياً للعمل ويقدمه القطاع الخاص مقابل رسوم، فهل ستنتقل كلفته إلى العامل أو صاحب العمل، وما هو الاثر الاقتصادي والاجتماعي المترتب على ذلك؟ وهل تملك وزارة العمل موارد كافية لتغطي هي تلك الرسوم وتحمي الفقراء والعاطلين عن العمل وغير المقتدرين من العمال؟

5. توسيع نطاق الرقابة والتفتيش والتوسع في التجريم وتغليط العقوبات
يوسع المشروع نطاق الرقابة والتفتيش ليمتد إلى العمال أنفسهم ومزودي خدمات التدريب بالإضافة الى المحال المهنية ، حيث ينص على :
• ترخيص مزودي التدريب، وهذا يعني ان اصحاب المصانع والمحترفات والورش لن يسمح لهم بتدريب تلامذتهم مهنيا دون الحصول على رخصة تدريب وفق معايير لم تنشر بعد ولم يتضمنها القانون.
• حصول جميع العمال في جميع المهن على إجازة مزاولة مهنة، دونما ربطها بدرجات الخطورة او تصنيف المهن.
• الزام العمال بدخول البرامج التدريبية والاختبارات، دونما معالجة كيف سيتحملون نفقات ذلك وبأي ثمن معيشي؟ وهل تملك الوزارة الموارد الكافية لذلك أصلا أمام مليون عامل اردني يعملون في القطاع الخاص غير المنظم؟
• ترخيص المنشأة والتزام المحل بالشروط، وهذا كان معمولا به اصلا في القانون النافذ.
• تطبيق الأنظمة والتعليمات الصادرة بموجب القانون.
كما يغلظ مشروع القانون العقوبات، فهو:
1. يرفع الغرامة على المخالفين الى 200 دينار بحدها الأدنى بدلا من 100 دينار، و1000 دينار بحدها الأعلى بدلا من 500 دينار.
2. يمنع القاضي من تخفيف العقوبة باستخدام الظروف المخففة، أي انه يصادر الصلاحيات التقديرية للقضاة.
3. يلزم المحكمة بان تأمر بإزالة المخالفة، أي إغلاق المحل ومنع العامل من العمل الى حين الحصول على الرخصة، ولا يجعلها صلاحية جوازية للمحكمة، بل إلزامية.
4. ينص على أن هذه الغرامات والعقوبات لا تحول دون تطبيق أي عقوبة أشد نص عليها أي قانون آخر.
5. يمنح المفتشين صلاحية الضابطة العدلية الممنوحة بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية.
مجمل هذه التعديلات تعني أننا نحول مخالفات العمال من مخالفات إدارية الى جزائية، وكأننا نتعامل مع مجرمين لا عمال.
في المقابل، غاب عن المشروع أمور كثيرة جوهرية لا مجال لذكرها هنا وسننشرها في مقال مستقل لاحق.
________________________________________

رابعا: ما التغيير الحقيقي؟
في قانون 2019 كان السؤال الرئيس: هل المحل مصنف ومستوفٍ لشروط السلامة والتجهيز والمستوى المهني؟ أما في مشروع 2026 فيصبح السؤال: هل العامل نفسه اجتاز المسار الرسمي وحصل على الإجازة التي تسمح له بالعمل؟
وهنا ينتقل القانون من تنظيم بيئة العمل إلى تنظيم النفاذ إلى العمل، وينتج عن ذلك أربعة تحولات رئيسة:
1. من تنظيم المحل إلى تنظيم العامل
كان صاحب المحل هو المخاطب الرئيس في قانون 2019. أما في المشروع الجديد، فيصبح العامل نفسه مخاطباً مباشراً: عليه أن يثبت كفاءته، ويجتاز الاختبار، ويحصل على إجازة مزاولة المهنة.
2. من الرقابة على الممارسة إلى الإذن السابق بها
بدلاً من السماح بالعمل ثم مراقبة الالتزام بشروط السلامة والجودة، يتجه المشروع إلى اشتراط استيفاء المتطلبات والحصول على الإجازة قبل ممارسة المهنة.
3. من دور حكومي مباشر إلى منظومة يشترك فيها القطاع الخاص تنظيما وتنفيذا
لأن الدولة قد لا تستطيع تدريب واختبار الأعداد الكبيرة من العاملين، يفتح المشروع الباب لترخيص مزودي تدريب وخدمات من القطاعين العام والخاص.
وهنا تظهر أسئلة الرسوم، والاحتكار، وتوزيع المراكز بين المحافظات، والفصل بين الجهة التي تبيع التدريب والجهة التي تقرر نجاح العامل أو رسوبه.
4. من تنظيم محدود للمهن إلى تدخل شامل في منظومة الولوج الى السوق
المشروع يجمع حلقات عديدة في مسار واحد:
تدريب ← اختبار ← إجازة مزاولة ← تجديد والتزامات ← تفتيش ← جزاء عند المخالفة.
ومن لا يستطيع عبور هذه السلسلة يُحرم قانونياً من ممارسة المهنة، ويجرم، ويغرم، ويمنع من العمل، ولو كان يمارسها منذ سنوات.
مثال يوضح الفرق
لنفترض أن لدينا ميكانيكياً اكتسب خبرته خلال عشرين سنة داخل ورشة:
في ظل قانون 2019:
ينصب الاهتمام أساساً على تصنيف الورشة، وتجهيزاتها، وسلامتها، والمستوى المهني المطلوب للعاملين فيها، وترخيص المحل، بالاضافة إلى رخصة مزاولة مهنة لصاحب الورشة.
في ظل مشروع 2026:
لا يكفي أن تكون الورشة مصنفة ومستوفية للشروط؛ بل يصبح الميكانيكي نفسه وكل من يعمل لديه بغض النظر عن طبيعة ما يقوم به من عمل في الورشة مطالباً بإثبات كفاءته واجتياز الاختبار والحصول على إجازة مزاولة، وفق المتطلبات التي ستحددها المنظومة الجديدة. فإذا لم توجد جهة اختبار في محافظته، أو كانت الرسوم مرتفعة، أو لم يمتلك وثائق تثبت خبرته، فقد يصبح عاجزاً قانونياً عن الاستمرار في العمل، ما لم يضع القانون مساراً عادلاً وميسراً للاعتراف بالخبرة السابقة، ويمنح مددا زمنية معقولة للتصويب.
________________________________________
خامساً: لماذا يثير المشروع القلق؟ أسئلة أمام المشرعين.
المشكلة ليست في مبدأ تنظيم المهن، بل في أن المشروع قد يجعل الترخيص هو الحل العام قبل الإجابة عن أسئلة أساسية:
1. هل فتح حوار وطني حول قانون يمس مليون أردني وأسرهم؟
2. هل فشل قانون 2019 حتى يلغي ويستبدل بقانون جديد؟
3. هل توجد دراسات أثر اقتصادي واجتماعي وتنظيمي للقانون النافذ وهل أجابت الوزارة على أسئلة من مثل: ( كم مهنة شملت بأحكام قانون 2019؟ كم محلاً صنف؟ كم عاملاً صنف؟ كم إجازة مزاولة صدرت؟ كم مخالفة حررت؟ كم محلاً أغلق؟ لماذا لم تطبق أحكام القانون على نحو كامل؟ هل كان سبب التعثر نقص النصوص أم ضعف الموارد؟
4. ما الأنظمة والتعليمات التي صدرت؟ ما المهن التي بقيت خارج التطبيق؟ هل المشكلة في عدم إلزام الفرد، أم في غياب مراكز الاختبار والكوادر؟ لماذا يُفترض أن يؤدي قانون أكثر اتساعاً إلى نتائج أفضل بالجهاز الإداري نفسه؟)
5. هل أجريت دراسة أثر اقتصادي واجتماعي وتنظيمي لمشروع القانون الجديد؟
6. ما هي المهن التي يشملها القانون؟ هل صُنفت المهن وفق مستوى خطورتها؟ وهل ربطت إجازة المزاولة بمستوى الخطورة؟
7. لماذا يخضع الدهين وفني الديكور والخياط والمزارع وصاحبة المطبخ الانتاجي للأداة التنظيمية نفسها المقررة للمهمات شديدة الخطورة؟
8. هل توجد مراكز تدريب واختبار كافية في المحافظات؟
9. من سيدفع كلفة التدريب والاختبار والإجازة والتجديد؟
10. هل توجد سقوف ملزمة للرسوم؟
11. كيف سيعترف القانون بخبرة من تعلم في الورشة لا في مركز التدريب؟
12. هل يجوز لجهة واحدة أن تقدم التدريب ثم تختبر العامل وتستفيد من إعادته إلى دورة جديدة؟
13. ماذا يحدث لمن يرسب أو يعجز عن الدفع؟
14. هل سيدفع القانون المزيد من العاملين إلى ممارسة المهنة خارج التنظيم؟ بمعنى هل يقضي المشروع على القطاع غير المنظم ويحوله الى منظم ام يفاقم المشكلة ويدفع المزيد من الناس نحو القطاعات غير المنظمة؟
15. هل جرى قياس أثره في المنشآت الصغيرة والبطالة وأسعار الخدمات؟
16. هل يراعي المشروع الحق الدستوري في العمل؟
17. هل يحل المشروع مشكلة البطالة أم يفاقمها؟
18. ما الذي يستفيده العامل من هذا المشروع؟ هل يحفزه بتقديم تأمينات اجتماعية وضمانات وامتيازات، أم أنه في الواقع يكتفي بتغريمه وتجريمه؟
19. ما هو الحل التشريعي الذي يقدمه هذا المشروع لمشكلة تدني جودة العمل المهني؟ وهل تعتقد الوزارة أن مجرد الترخيص سيحل المشكلة؟ أين منظومة الرقابة اللاحقة المتعلقة بحماية المستهلك؟ وأين منظومة التدريب الجيدة القادرة على شمول الجميع؟ وأين الموارد لذلك؟
20. هل يحمي القانون المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر التي تمثل 75% من الاقتصاد الوطني، أم يتركها في مهب الرياح؟
21. هل تنطلق فلسفة القانون من أن التدريب خدمة عامة وحق للعامل، أم أنه سلعة ومناسبة للإثراء المالي لصالح شركات سيتم ترخيصها لاحقا بناءا على المحسوبيات واستغلال الوظيفة؟
________________________________________
سادساً: ما الموقف المطلوب من المشرعين؟
لسنا أمام اختيار بين ترك المهن بلا تنظيم وبين قبول المشروع كما هو، فنحن جميعا مع التنظيم، ولكن يمكن تنظيم العمل المهني بطريقة أكثر عدالة، تقوم على المبادئ الآتية:
1. الاعتراف بأن العمل حق دستوري، وأن الترخيص استثناء .
2. تصنيف المهن والمهام بحسب مستوى الخطر.
3. قصر الترخيص الإلزامي على المهن والمهام الخطرة.
4. الاكتفاء بالتسجيل أو شهادة الكفاءة أو الرقابة اللاحقة في المهن الأقل خطورة او غير الخطرة.
5. الاعتراف القانوني بالخبرة والتعلم السابق.
6. توفير التدريب والاختبار في جميع المحافظات قبل منع أي شخص من العمل.
7. وضع سقوف واضحة للرسوم، ينص عليها ضمن القانون، ودعم محدودي الدخل.
8. الفصل بين جهة التدريب وجهة الاختبار لمنع تضارب المصالح.
9. حماية العاملين والمنشآت القائمة بأحكام انتقالية واقعية.
10. جعل التفتيش وسيلة للإرشاد وتصويب الأوضاع قبل العقاب.
11. إجراء تقييم أثر اقتصادي واجتماعي وتشريعي قبل إقرار القانون.
________________________________________
الخلاصة:
مشروع 2026 ليس تعديلاً فنياً بسيطاً، بل تحول عميق يمس الحق في العمل ومصادر رزق ما يقرب من مليون مواطن يعيلون أربعة ملايين غيرهم. وهذا التحول لا يجوز إقراره قبل حوار وطني حقيقي تشارك فيه الأحزاب والنقابات والعمال وأصحاب الورش والمنشآت الصغيرة والخبراء ومنظمة العمل الدولية، وبعد معرفة كلفته وقدرة الدولة والمجتمع على تطبيقه.
والسؤال ليس: هل نريد عاملاً أردنياً أكثر كفاءة؟ فهذا محل اتفاق.
ولكن السؤال الحقيقي هو: هل نبني كفاءة العامل ونساعده على العمل، أم نجعل حقه في العمل متوقفاً على قدرته على عبور سلسلة جديدة من التدريب والاختبار والرسوم والترخيص؟ ومن سيتحمل كلفة تعطيله ومخالفته وتغريمه؟ ومن سينفق على أسرته؟ وهل يمكن ان نقبل دستوريا تحويل الحق في العمل الى رخصة إدارية في غياب منظومة متكاملة وفعالة قادرة على التدريب؟
والله من وراء القصد

قد يعجبك ايضا