ما عاد مجلس النواب والأعيان كما كان

بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي…………

على الرغم من احترامي لبعض النواب والأعيان ورئيسا المجلسان اللذان اعلم مدى ولائهما وانتمائهما للوطن وهذان المجلسان ورغبتهما بما اتحدث عنه إلا أنه
كان الناس يومًا إذا ذُكر مجلس النواب أو مجلس الأعيانن كانوا يقفوا احترامًا للمكان، قبل أن يحترموا الأشخاص. كانوا يؤمنون أن هناك رجالًا يحملون همّ الوطن على أكتافهم، لا همّ مصالحهم في جيوبهم. وكان النائب يدخل المجلس وهو يشعر أن وراءه شعبًا يحاسبه، لا مجموعةً تنتظر منه خدمةً أو واسطة.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد حتى أصبح المواطن يجلس أمام شاشة التلفاز، يشاهد نواب يجاهرون بسوء اخلاقهم ومسلكهم من ارتياد كازينوهات ولعب قمار ، وأخرون يُحكمون بجرائم مالية واستغلال سلطات ومسؤليات ، وأخرون يخرجون على وسائل التواصل الاجتماعي بلايفات يحاربون الدولة والتشريعات والأتظمة بحجة حماية حماية حقوق المستثمرين والمواطنين وهم غارقين بالشبهات المالية في ما يملكون من ثروات ، صارت الجلسات التشريعية والرقابية مثل المسرحيات الكوميدية! هذا يحمل بندقية ويحاول أن يدخل بها المجلس ، وهذا يضرب بالمكتة زملاؤه وهذا يرمي ألكاسات ، ومن شدة المفارقة نقف مبتسمين ثم نتذكر أن ما يراه ليس تمثيلًا، بل هو واقعًا يمس حياته ومستقبل أبناءنا .
أصبحت الكلمات الكبيرة عن الوطن والدستور ومحاربة الفساد تتكرر كثيرًا، لكن المواطن البسيط يسأل: أين أثرها في حياته؟ ولماذا يزداد شعوره بأن المسافة بينه وبين من يمثلونه تكبر يومًا بعد يوم؟
ومن أغرب المفارقات أن الشاب إذا أراد وظيفة عامل وطن، طُلبت منه شهادات ووثائق وفحوصات، أما من يطمح إلى الجلوس تحت قبة البرلمان أو في مجلس الأعيان، فيعتقد كثيرا من الناس أن الطريق لا يكون دائمًا بالكفاءة والخبرة والنزاهه ، بل قد تلعب العلاقات والنفوذ والقدرة المالية دورًا كبيرا في الوصول إلى المجلس .
ليست المشكلة في الدستور، ولا في القوانين، فهذه القوانين هي نفسها التي صنعت مجالس قوية في الماضي، وقادرة على محاسبة الحكومات ومساءلة الوزراء. وطرح الثقة بها أو بوزرائها والدفاع عن حقوق الناس. المشكلة كانت وما زالت في الإنسان الذي يطبق القانون، وفي الضمير الذي يخاف الله قبل أن يخاف الناس.
المناصب لا تصنع الرجال، بل الرجال هم من يصنعون هيبة المناصب. والكرسي يبقى قطعة خشب وحديد إذا جلس عليه من يرى المنصب غنيمة لا أمانة، أو وسيلةً لتحقيق المكاسب لا خدمةً للوطن.
الوطن لا يحتاج إلى خطباء يرفعون أصواتهم تحت القبة، بل إلى رجال يرفعون قيمة العدالة، ويعيدون ثقة المواطن بمؤسساته. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالضمائر الحية، وبالمواقف التي تبقى عندما تنتهي الخطب وتنطفئ الكاميرات.
سيبقى الأردن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعظم من كل من يظن أن الكرسي يدوم. أما الشعب، فهو لا يطلب المستحيل، بل يريد مسؤولًا إذا أقسم على خدمة الوطن، صدق في قسمه، وإذا حمل الأمانة، لم يجعلها تجارة .

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا