عاملني كإنسان… واترك ما لدي من نعم
د. منى النحلاوي …..
إن من المقومات التي جعلتنا أناسًا ذلك التعامل الذي يكشف حقيقتنا. فلا تقل لي من أنت، بل دعني أراه في أفعالك، ومواقفك، وكلماتك، وطريقة تعاملك مع الآخرين.
في الأصل، معنى كلمة “إنسان” دلالةٌ على الأُنس، وهو أحد الآراء اللغوية المتداولة، وإن لم يكن الوحيد. فالإنسان يأنس بالإنسان، وتُبنى العلاقات الحقيقية على الاحترام والرحمة والصدق، لا على الألقاب أو المكانة أو الامتيازات.
فالإنسان ليس مجرد كائن حيٍّ قادر على التفكير والاستنباط، بل هو كائن أخلاقي تتجلى قيمته الحقيقية في اختياراته، وفي الطريقة التي يعامل بها من حوله، ولا سيما حين لا يكون مضطرًا إلى ذلك.
ومن هذا المنطلق، يرى الفيلسوف إيمانويل كانط أن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا بوصفه غايةً في ذاته، لا وسيلةً لتحقيق مصالح الآخرين. فكرامة الإنسان ليست امتيازًا يُمنح، بل قيمة أصيلة تستحق الاحترام مهما اختلفت الهويات أو القناعات.
وتذكّرنا البراغماتية الأخلاقية بأن قيمة الأفكار لا تُقاس بجمال الشعارات، بل بما تتركه من أثر في السلوك اليومي. فنحن لا نُعرَّف بما نحمله من أسماء أو ألقاب، بل بما نتركه من أثر في حياة الآخرين، وما لا يتحول منها إلى ممارسة يبقى حبيس الكلمات.
ومن هنا تتجلى الإنسانية في أسمى صورها فهي تذيب الفوارق المصطنعة، وتتجاوز الأحكام المسبقة، وترفض اختزال الإنسان في دينه أو جنسه أو لونه أو منصبه أو ثروته. فالجوهر الحقيقي لا يظهر في المظهر بل في إنسانيته وقيمه كالعدل، والصدق، والقدرة على احترام الإنسان لأنه إنسان.
إن الابتعاد عن الكراهية، ورفض وضع الناس داخل قوالب جامدة، هو تحرر من قيود تحجب عنا رؤية الإنسان قبل أي شيء آخر.
فالعالم لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات عن الإنسانية، بقدر ما يحتاج إلى أناس يمارسونها في تفاصيل حياتهم اليومية. فقيمة الإنسان لا تكمن فيما يملكه، ولا فيما يُقال عنه، بل فيما يمنحه للآخرين من احترام ورحمة وعدل.
“عاملني كإنسان… واترك ما لدي من نعم” فهذه النعم، حين تتحول إلى مقياسٍ للتعامل، تُفرغ الإنسان من ذاته وتختزله في ما يملك لا في من هو. فحين يقترب أحدهم من إنسانٍ لأجل منصبه، أو يبتعد عنه لغيابه، فهو لم يرَه بعد؛ إنما رأى ظلًّا صنعته الألقاب والمؤسسات. أما حين يُعامَل الإنسان بأخلاق من حوله، بصرف النظر عمّا يحمله من صفات أو مواقع، فذاك هو الأُنس الحقيقي الذي تحدثنا عنه في أصل الكلمة.
عزيزي القارئ…
هل ما زلنا أسرى الحدود التي رسمناها بين البشر، أم آن الأوان أن نرى الإنسان أولًا، قبل أن نبحث عن هويته أو انتمائه؟
من مشروع العدالة الإنسانية والنقد الذاتي
الكاتبة أردنية
تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية