فادي السمردلي يكتب: الإيجار يلتهم الرواتب.. كيف أصبح السكن أكبر عبىء على الأردنيين؟

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

 

لم يعد السكن في الأردن مجرد حاجة أساسية تُؤمَّن ثم يُغلق ملفها، بل تحوّل إلى واحد من أكثر الملفات التي تستهلك تفكير المواطن وقلقه وميزانيته الشهرية فالإيجار اليوم لم يعد بندًا عادياً في المصاريف، بل أصبح “المقياس الحقيقي” لقدرة الأسرة على الصمود من شهر إلى آخر.

في السابق، كان الحديث عن السكن يدور حول الراحة والموقع والمساحة أما اليوم، فالسؤال تغيّر جذريًا كم يتبقى من الراتب بعد دفع الإيجار؟ هذا التحول البسيط في السؤال يعكس واقعًا اقتصاديًا ضاغطًا، جعل آلاف الأسر تعيش تحت ثقل ثابت لا يغيب في نهاية كل شهر.

الإيجارات في الأردن ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية، بينما بقيت الرواتب في مكانها تقريبًا وهذه الفجوة خلقت معادلة صعبة دخل محدود يقابله سكن يزداد كلفة عامًا بعد عام والنتيجة ليست أرقامًا فقط، بل حياة يومية تُدار بالحسابات الدقيقة والتنازلات المستمرة.

كثير من الأسر اليوم تنفق ما يقارب ثلث دخلها أو نصفه على الإيجار فقط، وفي بعض الحالات يتجاوز ذلك وهذا يعني ببساطة أن جزءًا كبيرًا من الدخل يُحجز مسبقًا قبل أن تبدأ أي مصاريف أخرى: الغذاء، النقل، التعليم، العلاج، وحتى الاحتياجات الصغيرة اليومية ومع أول الشهر، يبدأ الراتب رحلة قصيرة، ينتهي جزء كبير منها عند باب عقد الإيجار.

الأزمة لا تتعلق بسعر الإيجار وحده، بل بمنظومة كاملة تضغط في الاتجاه نفسه فارتفاع أسعار العقارات، زيادة الطلب على السكن في المدن، محدودية الخيارات المناسبة للدخل المتوسط، إلى جانب التغيرات الاقتصادية العامة، كلها عوامل دفعت السكن ليصبح واحدًا من أثقل الأعباء على الأسرة الأردنية.

الأثر لا يقف عند المال فقط فهناك تأثير اجتماعي واضح يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة فالشباب يؤجلون خطوة الزواج لأن أول سؤال يُطرح لم يعد “متى؟” بل “أين سنسكن؟” وأسر كثيرة تعيش حالة من الترقب الدائم لأي زيادة في الإيجار قد تعيد خلط أوراقها بالكامل وحتى فكرة الانتقال من منزل إلى آخر أصبحت قرارًا صعبًا، ليس بسبب التعب أو الجهد، بل بسبب الكلفة والخيارات المحدودة.

وفي المقابل، يحاول المواطن التكيف بطرق مختلفة تقليل المصاريف الأخرى، البحث عن سكن أبعد وأقل تكلفة، أو حتى تقاسم السكن مع آخرين لتخفيف العبىء ولكن هذه الحلول، رغم أنها تساعد مؤقتًا، لا تعالج أصل المشكلة، بل تؤجلها فقط.

المشهد اليوم يعكس حقيقة واضحة السكن لم يعد جزءًا من الحياة فقط، بل أصبح محددًا رئيسيًا لطبيعة الحياة نفسها فهو الذي يقرر شكل الإنفاق، ونمط الاستهلاك، وحتى مستوى الاستقرار النفسي داخل الأسرة.

وعندما يصبح الإيجار هو البند الأول الذي يُفكَّر فيه عند استلام الراتب وآخر بند يمكن تجاوزه أو التلاعب به، فإننا لا نتحدث عن مصروف عادي، بل عن عبىء ثابت يفرض إيقاعه على كل تفاصيل المعيشة.

وهكذا، يبقى السؤال الذي يرافق كل أسرة كيف يمكن أن تستمر الحياة بشكل طبيعي، بينما الإيجار يسبق كل شيء، ويأخذ الجزء الأكبر من كل شيء؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا