فادي االسمردلي يكتب :الجلوس الملكي والهوية الوطنية الأردنية حين يتحول الانتماء إلى مشروع دولة
بقلم فادي زواد السمردلي ….
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
ليست ذكرى الجلوس الملكي في الأردن حدثًا بروتوكوليًا يُستعاد في التقويم الوطني، بل هي لحظة سياسية ووطنية مكثفة تُعاد فيها قراءة الدولة ذاتها كيف تأسست؟ كيف صمدت؟ وكيف طورت هويتها الوطنية الأردنية لتبقى عنصر الثبات الأهم في بيئة لا تعرف الاستقرار؟
منذ تولي جلالة الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية، لم يكن مسار الدولة الأردنية مسار إدارة يومية للأزمات فحسب، بل كان مسارًا أعمق يتعلق بإعادة تثبيت فكرة الدولة في وعي الأردنيين، وترسيخ الهوية الوطنية الأردنية باعتبارها الأساس الذي تُبنى عليه كل السياسات، وكل مشاريع التحديث، وكل اختيارات المستقبل.
لقد جرى التعامل مع الهوية الوطنية الأردنية بوصفها جوهر الدولة لا هامشها فهي ليست تعريفًا ثقافيًا ولا توصيفًا اجتماعيًا، بل هي البنية العميقة التي تمنح الأردن تماسكه واستمراريته ومن هنا، كان حضورها واضحًا وثابتًا في الخطاب الملكي، حيث تكررت الرسائل التي تؤكد أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بمؤسساتها أو اقتصادها، بل بصلابة هويتها الوطنية، وبقدرتها على صون الانتماء كقيمة عملية تُترجم في السلوك العام وفي الثقة بالمؤسسات وفي الإيمان بالمشروع الوطني.
في كثير من خطابات جلالة الملك، كان التركيز منصبًا على أن الهوية الوطنية الأردنية ليست قابلة للتأجيل أو الترف الفكري، بل هي ضرورة استراتيجية لضمان بقاء الدولة واستقرارها فهي التي تحمي الأردن من التفكك الرمزي في لحظات الضغط، وهي التي تمنحه القدرة على الاستمرار في بناء مؤسساته رغم التحولات الإقليمية القاسية.
إن الدولة الأردنية، في تجربتها الحديثة، لم تفصل بين التحديث وبين الهوية فكل مسار إصلاحي، سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا أو إداريًا، كان مرتبطًا بشكل مباشر أو غير مباشر بتعزيز الهوية الوطنية الأردنية، لأنها الإطار الذي يمنح هذه الإصلاحات معناها الحقيقي، ويحولها من إجراءات تقنية إلى مشروع وطني شامل.
وفي هذا السياق، يصبح الجلوس الملكي أكثر من ذكرى ، يصبح محطة لفهم كيف تطورت الدولة وهي تعيد تعريف ذاتها باستمرار، وكيف بقيت الهوية الوطنية الأردنية عنصر الثبات الوحيد وسط تغيرات إقليمية ودولية متسارعة فالأردن لم ينجُ من التحديات بالصدفة، بل بوعي متراكم جعل من الهوية الوطنية الأردنية خط الدفاع الأول عن الدولة، قبل الاقتصاد والسياسة وكل العناوين الأخرى.
إن ما يميز التجربة الأردنية ليس غياب الأزمات، بل القدرة على التعامل معها دون المساس بجوهر الدولة وهذا الجوهر هو الهوية الوطنية الأردنية التي تشكل الإطار الذي يحدد معنى الانتماء، ويضبط علاقة المواطن بالدولة، ويمنح الاستقرار بعده العميق الذي يتجاوز اللحظة السياسية.
وفي زمن تتعرض فيه الدول لاختبارات قاسية على مستوى الهوية والانتماء، يبرز النموذج الأردني بوصفه نموذجًا لدولة اختارت منذ البداية أن تكون واضحة مع نفسها دولة لها هوية وطنية أردنية راسخة، لا تتغير بتغير الظروف، ولا تُعاد صياغتها تحت ضغط اللحظة، بل تُعزز باستمرار عبر التعليم، والخطاب السياسي، ومؤسسات الدولة، والممارسة اليومية للحياة العامة.
إن عيد الجلوس الملكي، في جوهره، ليس استذكارًا لزمن مضى، بل تأكيد على أن مشروع الدولة ما زال مستمرًا، وأن الهوية الوطنية الأردنية مسار بناء دائم يتجدد مع كل جيل، ويتعمق مع كل إنجاز، ويترسخ مع كل اختبار.
وهكذا يبقى الأردن دولة تعرف تمامًا ما تريد أن تكونه، دولة تستند إلى هوية وطنية أردنية صلبة، تجعل من الانتماء مشروعًا عمليًا، ومن المواطنة التزامًا يوميًا، ومن الدولة فكرة مستمرة في التشكل والتطور، لا تنفصل فيها الهوية عن المستقبل، ولا ينفصل فيها المستقبل عن الدولة.
الكاتب من الأردن