بين أصوليَّة متشددة وعلمانية غبية، أين المفر؟!
مرض التشدد والتطرف ما إن يصيب فرداً أو مجموعة من الأفراد حتى يحولهم إلى أحاديي التفكير، ينظرون إلى كل ما هو مختلف عنهم على أنه باطل، فلا يوجد فرق كبير بين كارثة الأصولية المتشددة وغباء العلمانية الإلحادية فالأولى تهدف إلى تنميط سلوكيات وتصرفات الآخرين، بالتمسك بما هو قديم وما يتعارض مع الحاضر، والثانية (العلمانية المتطرفة) تقلل من أهمية الايمان وتنظر للإنسان كشيء يمكن تبضيعه وشقه وتمحيصه تحت مجهر العلم. وستسوء أوضاع أي مجتمع إذا تواجدت فيه الأصولية المتشددة، ونقيضها اللدود العلمانية، وبدأ القائمون عليها ينافسون في العلن للسيطرة على المجتمع وحاضره ومستقبله، فكلتا الأيديولوجيتين تنظر إلى الانسان كبضاعة يمكن تداولها لتحقيق مآرب أيديولوجية تهدف بشكل أو بآخر لفرض الوصاية الأخلاقية والفكرية على الآخر المختلف، فأين المفر؟ أعتقد أنه حينما تبدأ تتجاذب الأصولية المتشددة والعلمانية المتطرفة والغبية ولو جزءاً بسيطاً من الذهن الجمعي، فهي ستؤدي إلى بروز ردة فعل سلبية للغاية في المجتمع تتمثل في الرفض الشديد لبعض العقلاء والأسوياء لأي محاولة لفرض الوصاية عليهم. التطرف العلماني الذي يبرز هذه الأيام في بعض المجتمعات العربية والإسلامية التقليدية لا يسعى مثلاً لتكريس حق الاختلاف، أو تشييد أرضيات مناسبة لتطبيق الديمقراطية الحقيقية، بل يميل بعض من يرفعون لواء العلمانية المتزمتة الى إلغاء الآخرين المختلفين، وبخاصة من يعترضون على تطبيق العلمانية، وفق نسختها الغربية في مجتمع عربي إسلامي محافظ، ويحاول بعض من يقدمون أنفسهم لعامة الناس على أنهم يمثلون التيار المحافظ اختزال الفضيلة في أنفسهم، ووفقاً لمعطياتهم الشخصية المتخيلة ولفرضياتهم الأيديولوجية الاقصائية. يمكن للبعض تجاهل الصراعات الفكرية الشرسة التي تحدث بين المعسكرين الاصولي والعلماني، وبخاصة إذا بقيت محصورة على صفحات الصحف والكتب وفي الاثير الإلكتروني، ولكن لا يمكن إغفال ما يسبب هذا التصادم والنزاع الايديولوجي، فيبقى المحرك الأساسي لهذا الاضطرام الفكري العدمي هو رغبة كلا الطرفين فرض الوصاية الفكرية والأخلاقية على الآخرين، المختلفين عنهم، فيحاول المتشدد حشر أنفه في الشؤون الخاصة للآخرين ويحاول تلقينهم كيف لهم أن يمارسوا إيمانهم الروحي بينما يسعى العلماني المتطرف وبغباء منقطع النظير لنفي أهمية الايمان في الحياة اليومية، وتفسير كل ما يحدث في الحياة الإنسانية وفق قوانين علمية، لن تفسر بشكل مقبول ماهية التصديق بالقلب، وما تقره التجارب الشخصية المختلفة.
كاتب كويتي
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
