فادي السمردلي يكتب: حادثة الساحة الهاشمية.. هل نحتاج إلى مراجعة إدارة الحشود؟

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

لم يكن الخبر الذي استيقظ عليه الأردنيون عن وقوع حادثة تدافع في الساحة الهاشمية مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث، بل شكل صدمة أعادت إلى الواجهة قضية طالما نوقشت بعد كل فعالية جماهيرية كبيرة، وهي مدى جاهزية منظومة إدارة الحشود في الأماكن العامة فمع الإعلان عن وفاة أحد المواطنين وإصابة عدد آخر، تحولت الأنظار من تفاصيل الواقعة نفسها إلى السؤال الأهم هل أصبحت الحاجة ملحة لإعادة النظر في آليات تنظيم التجمعات الجماهيرية في الأردن؟

تُعد الساحة الهاشمية واحدة من أبرز المواقع التي تحتضن المناسبات الوطنية والثقافية والاجتماعية في العاصمة عمّان، وتشهد على مدار العام حضورًا كثيفًا من المواطنين والعائلات وهذا الحضور الكبير يعكس ثقة الناس بهذه الفعاليات ورغبتهم في المشاركة، لكنه في الوقت نفسه يفرض مسؤولية مضاعفة على الجهات المنظمة لضمان أن تبقى هذه المناسبات مساحة للفرح لا سببًا للخوف أو الحزن.

في مثل هذه الحوادث، غالبًا ما تتجه الأنظار سريعًا نحو البحث عن المسؤول، إلا أن التجارب العالمية تؤكد أن التدافع لا ينشأ عادة من سبب واحد، بل من مجموعة عوامل تتداخل في لحظات قصيرة، مثل ارتفاع الكثافة البشرية، وضيق بعض الممرات، وصعوبة الحركة، وضعف التواصل مع الجمهور عند حدوث أي ارتباك ولهذا فإن الاكتفاء بتحميل المسؤولية لطرف واحد لا يكفي، لأن المطلوب هو مراجعة المنظومة بأكملها، بدءًا من التخطيط وانتهاءً بإدارة الموقف لحظة بلحظة.

إدارة الحشود أصبحت اليوم علمًا قائمًا بذاته، تدرسه الجامعات وتطوره المؤسسات المتخصصة حول العالم فهي لا تعتمد فقط على وجود رجال أمن أو متطوعين، بل تبدأ قبل انطلاق الفعالية بوقت طويل، من خلال دراسة الطاقة الاستيعابية للمكان، ووضع سيناريوهات للطوارئ، وتحديد مسارات الدخول والخروج، وتوزيع الحضور بطريقة تمنع تشكل نقاط الاختناق، إضافة إلى استخدام وسائل تقنية لمراقبة الكثافة البشرية والتدخل المبكر عند الحاجة.

وفي الأردن، ورغم النجاح الذي حققته العديد من الفعاليات الكبرى خلال السنوات الماضية، فإن أي حادثة مؤسفة يجب أن تُنظر إليها باعتبارها فرصة لتقييم الإجراءات وتطويرها، لا باعتبارها حالة استثنائية يمكن تجاوزها بمجرد انتهاء التحقيقات فالحفاظ على سلامة المواطنين يجب أن يكون أولوية دائمة، خصوصًا في الفعاليات التي يتوقع أن تشهد حضورًا بالآلاف.

ومن المهم أيضًا ألا يغيب دور المواطن عن هذه المعادلة فمهما بلغت كفاءة التنظيم، يبقى الالتزام بالتعليمات وعدم التدافع واحترام مسارات الحركة عوامل أساسية في تقليل المخاطر لذلك فإن نشر ثقافة السلامة العامة لا يقل أهمية عن توفير الحواجز أو زيادة أعداد المنظمين، لأن السلوك الفردي قد يكون في كثير من الأحيان عنصرًا حاسمًا في منع وقوع الكوارث.

كما أن وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي يجب ان تتحمل مسؤوليتها في مثل هذه الأحداث فبدلًا من تداول الشائعات أو إطلاق الاتهامات فقط قبل انتهاء التحقيقات، ينبغي التركيز على نشر المعلومات الدقيقة، وتسليط الضوء على أهمية الالتزام بالإرشادات، وتشجيع النقاش حول أفضل الممارسات التي يمكن أن تجعل الفعاليات العامة أكثر أمانًا للجميع.

ولا يقتصر الحديث هنا على الساحة الهاشمية وحدها، بل يمتد إلى جميع المواقع التي تستضيف تجمعات جماهيرية، سواء كانت احتفالات وطنية أو مهرجانات أو فعاليات ثقافية أو فنية ومع تزايد عدد هذه الأنشطة، تصبح الحاجة أكبر إلى تحديث خطط إدارة الحشود بشكل مستمر، والاستفادة من الخبرات الدولية، وإجراء تدريبات دورية للكوادر العاملة، بما يضمن سرعة الاستجابة لأي طارئ مهما كان حجمه.

إن سلامة الإنسان ليست بندًا ثانويًا في تنظيم الفعاليات، بل هي المعيار الحقيقي لنجاحها فالاحتفال الناجح ليس الذي يجذب أكبر عدد من الحضور فحسب، وإنما الذي ينتهي دون إصابات أو خسائر، ويغادر فيه الجميع المكان وهم يحملون ذكريات جميلة لا مواقف مؤلمة.

وفي انتظار نتائج التحقيقات الرسمية التي ستكشف تفاصيل ما حدث، يبقى الأمل أن تتحول هذه الحادثة المؤسفة إلى نقطة انطلاق لمراجعة شاملة لسياسات إدارة الحشود في الأردن، وأن تكون الدروس المستفادة منها سببًا في تطوير الإجراءات الوقائية وتعزيز معايير السلامة في جميع الفعاليات المقبلة فالأرواح التي نفقدها لا يمكن تعويضها، لكن التعلم من التجارب واتخاذ الخطوات الصحيحة كفيل بأن يمنع تكرارها ويحافظ على أمن وسلامة المجتمع.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا