فادي السمردلي يكتب: لماذا أطلقت الأردن حملة (إوعى) الآن؟

بقلم فادي زواد السمردلي ….

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

لم تعد الجرائم الإلكترونية في الأردن حوادث فردية أو محاولات احتيال محدودة يمكن التعامل معها بوصفها استثناءً، بل أصبحت ظاهرة تتطور بوتيرة سريعة مستفيدة من الانتشار الواسع للتكنولوجيا واعتماد المواطنين على الخدمات الرقمية في تفاصيل حياتهم اليومية ومع كل تطور تقني تظهر أساليب احتيال جديدة تستهدف شرائح مختلفة من المجتمع، الأمر الذي دفع الجهات المختصة إلى إطلاق حملة “إوعى” بوصفها مبادرة وطنية تهدف إلى رفع مستوى الوعي الأمني لدى المواطنين قبل وقوعهم ضحية للمحتالين.

وجاء إطلاق الحملة في توقيت يشهد تصاعداً ملحوظاً في محاولات الاحتيال الإلكتروني، سواء عبر تطبيقات المراسلة أو مواقع التواصل الاجتماعي أو الاتصالات الهاتفية التي ينتحل فيها المحتالون صفات موظفين في بنوك أو شركات أو مؤسسات رسمية ويؤكد ذلك أن المعركة لم تعد تقنية فقط، وإنما أصبحت معركة وعي، لأن المحتال بات يعتمد على إقناع الضحية بتسليم بياناته بنفسه، بدلاً من اختراق الأجهزة بالطرق التقليدية.

وعند النظر إلى الفئات الأكثر تعرضاً لهذه الجرائم، يتبين أن الصورة تختلف عن الاعتقاد السائد بأن كبار السن هم الضحايا الوحيدون. فالشباب، الذين يقضون ساعات طويلة على الإنترنت، أصبحوا من أكثر الفئات استهدافاً، خاصة مع انتشار الإعلانات الوهمية الخاصة بالوظائف، والاستثمارات السريعة، والتجارة الإلكترونية، والمسابقات التي تعد الفائزين بجوائز مالية أو هواتف ذكية مقابل إدخال بياناتهم الشخصية أو البنكية.

أما كبار السن، فيواجهون نوعاً مختلفاً من الاحتيال يعتمد على الاتصالات الهاتفية المباشرة، حيث يدعي المتصل أنه موظف في بنك أو جهة حكومية ويطلب تحديث البيانات أو تزويده برمز التحقق الذي يصل إلى الهاتف وغالباً ما يقع بعض الضحايا في هذا الفخ بسبب الثقة الزائدة أو قلة الخبرة في التعامل مع الأساليب الرقمية الحديثة.

ولا تقف المخاطر عند الأفراد فقط، بل تمتد إلى أصحاب المشاريع الصغيرة والمتاجر الإلكترونية، الذين يتعرضون لمحاولات احتيال من خلال روابط دفع مزيفة أو رسائل تطلب تحديث بيانات الحسابات المالية كما أصبحت المؤسسات نفسها هدفاً لمحاولات التصيد الإلكتروني التي تستهدف الموظفين للحصول على كلمات المرور أو الوصول إلى الأنظمة الداخلية.

ويشير مختصون في الأمن السيبراني إلى أن أكثر ما يميز الجرائم الإلكترونية الحديثة هو اعتمادها على الهندسة الاجتماعية، أي استغلال ثقة الإنسان ومشاعره بدلاً من استغلال الثغرات التقنية فقد تصل رسالة تبدو وكأنها من بنك معروف، أو من شركة توصيل، أو من جهة رسمية، بينما تكون في الحقيقة وسيلة لسرقة المعلومات الشخصية والمالية.

ومن هنا، تبدو حملة “إوعى” استجابة ضرورية لهذا الواقع المتغير. فهي لا تركز على التحذير فقط، بل تسعى إلى بناء ثقافة أمن رقمي لدى المجتمع، تقوم على التحقق من مصدر الرسائل، وعدم مشاركة البيانات البنكية أو رموز التحقق مع أي شخص، وعدم الضغط على الروابط مجهولة المصدر مهما بدت مقنعة.

كما أن الحملة تحمل رسالة مهمة مفادها أن الأمن السيبراني لم يعد مسؤولية المؤسسات الأمنية وحدها، وإنما مسؤولية مشتركة تبدأ من سلوك المستخدم نفسه فكل مواطن يمتلك هاتفاً ذكياً أو حساباً بنكياً أو بريداً إلكترونياً أصبح مطالباً بمعرفة الحد الأدنى من قواعد الحماية الرقمية، لأن المحتال يبحث دائماً عن الحلقة الأضعف، وهي غالباً العنصر البشري.

وفي ظل التوسع الكبير في الخدمات الحكومية الإلكترونية، والتطبيقات البنكية، والتسوق عبر الإنترنت، تزداد الحاجة إلى مبادرات توعوية مستمرة، لا تقتصر على الحملات الموسمية، بل تتحول إلى ثقافة مجتمعية تُدرّس في المدارس والجامعات، وتُناقش في وسائل الإعلام، وتتبناها المؤسسات العامة والخاصة.

إن توقيت إطلاق حملة “إوعى” يعكس إدراكاً رسمياً بأن الوقاية أكثر فاعلية من معالجة آثار الجريمة بعد وقوعها فكل عملية احتيال يتم منعها عبر رفع مستوى الوعي توفر على المواطن خسائر مالية ونفسية، وتوفر على الجهات المختصة وقتاً وجهداً في الملاحقة والتحقيق.

وفي النهاية، فإن الرسالة الأهم التي تحملها الحملة هي أن التكنولوجيا، رغم ما توفره من سهولة وسرعة، تتطلب قدراً مماثلاً من الحذر والمسؤولية فالمعرفة أصبحت خط الدفاع الأول، والوعي هو السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة المحتالين الذين يطورون أساليبهم باستمرار، بينما يبقى المواطن الواعي هو الحلقة الأقوى في منظومة الأمن السيبراني.
صباح الخير إذا ممكن

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا