فادي السمردلي يكتب:التأهل إلى كأس العالم إنجاز تاريخي… لكن المساءلة واجب قبل الاحتفال

بقلم فادي زواد السمردلي. …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

التأهل إلى نهائيات كأس العالم إنجاز تاريخي لا يستطيع أحد إنكاره أو التقليل من قيمته، فهو حلم راود الأردنيين لعقود حتى أصبح حقيقة وهذا الإنجاز يُحسب أولًا للاعبين الذين قاتلوا في الملعب، وبذلوا كل ما لديهم حتى رفعوا علم الأردن بين كبار منتخبات العالم.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو هل يعني التأهل أن نغلق ملفات الأخطاء؟ وهل أصبح كل قرار فني أو إداري فوق النقد والمساءلة؟ وهل المطلوب من الجماهير أن تستقبل المنتخب بالورود والهتافات، بينما تُترك الأخطاء التي رافقت المرحلة الأخيرة بلا مراجعة أو محاسبة؟
الإجابة بكل وضوح لا…فالاحتفال بالإنجاز شيء، وتبرئة المسؤولين عن الأخطاء شيء آخر تمامًا. ومن يخلط بينهما لا يخدم المنتخب، بل يضر مستقبله.

من أكثر الملفات التي تستوجب التوقف قضية المهاجمين.فبعد إصابة نجم المنتخب يزن النعيمات، ثم غياب إبراهيم صبرة، كان المنطق الكروي يفرض البحث عن مهاجم صريح جاهز، خاصة مع وجود أكثر من لاعب نافس على صدارة هدافي الدوري وقدموا مستويات مميزة ولكن القرار سار في اتجاه مختلف، باستدعاء لاعب لا يشغل هذا المركز أساسًا.

يبقى السؤال الذي ينتظر الشارع الرياضي إجابته لماذا؟ وما هي المعايير الفنية التي بُني عليها هذا القرار؟ وهل كان اختيار أفضل العناصر، أم أن هناك اعتبارات أخرى رجحت كفة أسماء على حساب الكفاءة؟

وفي مركز حراسة المرمى، استمر الجدل طوال الفترة الماضية فقد رأى كثير من المحللين والخبراء أن مستوى الحارس الأساسي شهد تراجعًا في عدد من المباريات، وأن المنافسة على هذا المركز كانت تستحق إعادة تقييم وفق مستوى الجاهزية ومع ذلك، استمر الاعتماد على الحارس نفسه بصورة شبه مطلقة، وكأن المنافسة على المركز قد أُغلقت، وكأن أداء أي لاعب لا يخضع للتقييم والمراجعة.

في كرة القدم الحديثة لا يوجد لاعب فوق المنافسة، ولا مدرب فوق النقد، ولا مسؤول فوق المحاسبة فالمشكلة ليست في خطأ واحد، فكل الأجهزة الفنية تخطئ، لكن المشكلة عندما يتحول الخطأ إلى نهج، وتتحول الملاحظات إلى أمر لا يجوز الاقتراب منه، ويصبح كل نقد هجومًا، وكل مطالبة بالمحاسبة تشكيكًا بالإنجاز.

المنتخب تأهل، نعم… ولكن هل كان بالإمكان الظهور بصورة أفضل؟ وهل أُديرت بعض المباريات والقرارات الفنية بالشكل الأمثل؟ وهل استُثمرت جميع الخيارات المتاحة؟ هذه أسئلة مشروعة، ومن حق الجماهير أن تعرف إجاباتها.

الأخطر من كل ذلك أن يتحول الإنجاز التاريخي إلى غطاء يمنع فتح الملفات، وكأن مجرد الوصول إلى كأس العالم يمنح الجميع صك براءة من أي خطأ فهذه هي العقلية التي تقتل التطور، لأن المنتخبات الكبرى لا تبني نجاحاتها على المجاملة، بل على النقد والمراجعة والتصحيح.

اليوم نحن أمام فرصة تاريخية لإعداد منتخب قادر على تمثيل الأردن بصورة مشرّفة في كأس العالم، وهذه الفرصة لن تتحقق بالاحتفالات والاستقبالات الشعبية، بل بالجرأة في الاعتراف بالأخطاء، ومحاسبة المقصر إن وجد، وتصحيح المسار قبل فوات الأوان.

إن احترام الجماهير لا يكون بإقامة الاحتفالات، بل باحترام عقولها، والرد على تساؤلاتها، وشرح أسباب القرارات الفنية والإدارية التي أثارت الجدل فالجماهير كانت شريكًا في هذا الإنجاز، ومن حقها أن تعرف كيف تُدار الأمور داخل المنتخب.

لا أحد يطالب بإلغاء فرحة التأهل، ولا أحد ينكر الإنجاز، لكن حب المنتخب الحقيقي لا يكون بالتصفيق الدائم، بل بالدفاع عن مستقبله والمحاسبة ليست انتقامًا من أحد، وإنما ضمانة لعدم تكرار الأخطاء، وخطوة ضرورية قبل خوض أكبر بطولة كروية في العالم.

ولهذا أقولها بوضوح: لا تجعلوا فرحة التأهل تتحول إلى حصانة من المساءلة..فالمنتخب الوطني ملك لكل الأردنيين، وليس لأشخاص أو مناصب. وإذا كنا نطمح إلى مشاركة تليق باسم الأردن في كأس العالم، فإن أول خطوة ليست إقامة استقبال شعبي… بل فتح ملفات المرحلة الماضية بكل شفافية، ومساءلة كل قرار يستحق المراجعة.

فالاحتفال يصنع صورة… أما المحاسبة فتصنع تاريخًا.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا