فادي السمردلي يكتب: التضخم عند 2.13%.. هل دخل الأردن مرحلة جديدة من غلاء المعيشة؟

بقلم فادي زواد السمردلي. ……

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

يقدم ارتفاع معدل التضخم في الأردن إلى نحو 2.13% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 مؤشرًا اقتصاديًا يستحق القراءة بعيدًا عن التعامل معه بوصفه مجرد رقم إحصائي فمعدل التضخم يعكس متوسط حركة أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات، لكنه لا يعكس بالضرورة التجربة اليومية لكل أسرة، ولا يجيب وحده عن السؤال الأهم أين يشعر الأردني بارتفاع كلفة المعيشة، وما العوامل التي تقف خلف هذا الارتفاع؟

وتكتسب قراءة التضخم أهمية أكبر في اقتصاد يتأثر بحركة الأسواق العالمية والإقليمية، وبأسعار الطاقة والغذاء والنقل وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد كما أن ارتفاع الأسعار لا يؤثر بالدرجة نفسها على جميع الأسر، إذ تختلف أنماط الإنفاق بحسب مستوى الدخل والاحتياجات الأساسية.

ويعني معدل التضخم البالغ 2.13% أن المستوى العام للأسعار ارتفع بهذه النسبة في المتوسط، وليس أن جميع السلع ارتفعت بالنسبة نفسها.د فقد ترتفع بعض البنود بأكثر من المعدل، بينما تستقر أسعار أخرى أو تتراجع ولهذا قد يشعر المواطن بضغط أكبر من الرقم العام، خصوصًا إذا كانت معظم نفقاته تتركز في الغذاء والنقل والسكن والطاقة.

وتعد أسعار الغذاء والطاقة والنقل من أكثر المكونات حساسية بالنسبة للمستهلك، ليس فقط بسبب أهميتها المباشرة في ميزانية الأسرة، وإنما أيضًا لقدرتها على الانتقال إلى أسعار قطاعات أخرى فارتفاع أسعار الوقود، على سبيل المثال، يرفع تكاليف النقل والتوزيع، وقد ينعكس تدريجيًا على أسعار السلع والخدمات.

كما أن ارتفاع تكاليف الشحن ومدخلات الإنتاج عالميًا يمكن أن ينتقل إلى السوق المحلية، خصوصًا في اقتصاد يعتمد على الاستيراد في جزء مهم من احتياجاته ولذلك فإن التطورات الخارجية أصبحت عاملًا أساسيًا في تفسير حركة الأسعار المحلية إلى جانب عوامل الطلب والإنتاج والمنافسة.

ولا يعني ارتفاع التضخم خلال فترة محددة أن الأردن دخل بالضرورة مرحلة جديدة من غلاء المعيشة، فالحكم على الاتجاه يحتاج إلى متابعة الأسعار خلال الأشهر المقبلة، ومعرفة ما إذا كان الارتفاع مؤقتًا أم مستمرًا وواسع النطاق.

وتبرز هنا أهمية متابعة أسعار الغذاء والطاقة والنقل، إلى جانب الأجور والدخل وتكاليف الشحن والتطورات في الأسواق العالمية والإقليمية فاستمرار ارتفاع الأسعار واتساع نطاقه سيكون أكثر أهمية من تسجيل ارتفاع محدود في فترة زمنية واحدة.

أما بالنسبة للأسر محدودة ومتوسطة الدخل، فإن أثر التضخم قد يكون أكثر وضوحًا، لأن جزءًا أكبر من دخلها يذهب إلى الاحتياجات الأساسية وإذا ارتفعت الأسعار في الوقت الذي تبقى فيه الرواتب ثابتة أو تنمو بوتيرة أبطأ، فإن القوة الشرائية تتراجع، وقد تضطر الأسر إلى تقليص الإنفاق غير الأساسي أو خفض الادخار وإعادة ترتيب أولوياتها.

ومن هنا فإن تقييم الوضع المعيشي لا ينبغي أن يعتمد على التضخم وحده، بل على العلاقة بين الأسعار والأجور والدخل الحقيقي فإذا تجاوز نمو الأجور معدل التضخم يمكن أن تتحسن القوة الشرائية، أما إذا سبقت الأسعار نمو الدخول لفترة طويلة، فإن المواطن سيشعر بتآكل دخله الحقيقي حتى لو ظل معدل التضخم العام ضمن مستويات محدودة.

وتبقى أسعار الطاقة والغذاء من أبرز المخاطر المحتملة على مسار التضخم، نظرًا لتأثرها المباشر بالتطورات الدولية فارتفاع أسعار النفط يضغط على تكاليف الطاقة والنقل، بينما تتأثر أسعار الغذاء بالإنتاج العالمي والظروف المناخية وأسعار المدخلات وتكاليف الشحن والتطورات في الدول المصدرة.

وفي مواجهة هذه الضغوط، تلعب السياسة النقدية دورًا في الحفاظ على الاستقرار النقدي والحد من التضخم المرتبط بالطلب والسيولة والائتمان، لكنها لا تستطيع معالجة جميع أسباب ارتفاع الأسعار، خصوصًا عندما يكون مصدرها صدمات خارجية في الطاقة أو الغذاء.

ولهذا فإن الحفاظ على استقرار الأسعار يحتاج إلى تكامل السياسات النقدية والمالية والإنتاجية والتجارية، مع تعزيز المنافسة وتحسين كفاءة الأسواق وتسهيل حركة السلع وتقليل تكاليف الإنتاج والنقل وضمان توفر مخزونات استراتيجية مناسبة من السلع الأساسية كما أن حماية المستهلك ينبغي أن تركز على الفئات الأكثر تأثرًا بدل الاعتماد طويلًا على التدخل المباشر في الأسعار.

ورغم أهمية الرقم الرسمي للتضخم، تبقى هناك أحيانًا فجوة بين المؤشر الإحصائي والشعور اليومي للمستهلك فالمواطن يتعامل مباشرة مع أسعار الغذاء والمواصلات والوقود والإيجارات والتعليم والخدمات، ولذلك قد يشعر بارتفاع كلفة المعيشة بأكثر من المعدل العام إذا كانت البنود الأكثر حضورًا في إنفاقه قد ارتفعت بوتيرة أعلى.

وبالنظر إلى معدل 2.13%، لا يمكن اعتباره وحده دليلًا على دخول الاقتصاد الأردني في أزمة تضخمية فالمؤشر الأهم هو اتجاه الأسعار واستمرار الارتفاع واتساع نطاقه فإذا بقي التضخم مستقرًا، وظلت أسعار الغذاء والطاقة تحت السيطرة، ونمت الدخول بما يحافظ على القوة الشرائية، فقد تبقى الضغوط ضمن نطاق يمكن للاقتصاد استيعابه.

أما إذا شهدت أسعار الطاقة والغذاء ارتفاعات كبيرة، أو تعرضت سلاسل الإمداد لمزيد من الاضطرابات، أو انتقلت تكاليف الاستيراد إلى نطاق أوسع من السلع والخدمات، فقد تتزايد الضغوط على الأسعار وموازنات الأسر.

وفي المحصلة، فإن ارتفاع التضخم في الأردن إلى 2.13% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 لا يمثل بحد ذاته مؤشرًا على أزمة تضخمية، لكنه يستحق المتابعة، خصوصًا في ظل البيئة الإقليمية والدولية المتقلبة. والتحدي الحقيقي ليس فقط الحفاظ على معدل تضخم منخفض، وإنما ضمان ألا تتجاوز وتيرة ارتفاع الأسعار قدرة الأردنيين على تحملها.

فالسؤال بالنسبة للمواطن لا يتوقف عند كم ارتفعت الأسعار؟ وإنما يمتد إلى أي الأسعار ارتفعت؟ ولماذا؟ ومن يتحمل كلفة الزيادة؟ وهل ترتفع دخول الأردنيين بالسرعة نفسها؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا