فرص إجراء الانتخابات التشريعية وفرص تأجيلها
بقلم د. تيسير فتوح حجة …..
الأمين العام لحزب العمال الفلسطيني
منذ صدور المرسوم الرئاسي الذي حدد يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية، دخلت الساحة السياسية مرحلة جديدة عنوانها: هل نصل فعلاً إلى صناديق الاقتراع، أم أن الطريق ما زال مفتوحاً أمام التأجيل؟ وقد باشرت لجنة الانتخابات المركزية فعلياً تنفيذ الجدول الانتخابي، وبدأت مرحلة تسجيل الناخبين في الضفة الغربية خلال الفترة من 15 إلى 19 آب/أغسطس الجاري.
برأيي، فإن فرص إجراء الانتخابات أصبحت أكثر جدية من أي وقت سابق، لكنها لا تزال مرتبطة بجملة من العوامل السياسية والأمنية والقانونية، وفي مقدمتها قدرة الأطراف الفلسطينية على توفير الحد الأدنى من التوافق، وضمان مشاركة القدس وقطاع غزة، وعدم السماح للاحتلال بأن يتحول إلى صاحب القرار الفعلي في تحديد مستقبل العملية الديمقراطية الفلسطينية.
أولاً: لماذا ترتفع فرص إجراء الانتخابات؟
هناك مؤشرات عملية لا يمكن تجاهلها. فالانتخابات لم تعد مجرد إعلان سياسي، وإنما دخلت بالفعل في مراحلها التنفيذية؛ من التسجيل إلى النشر والاعتراض ثم الترشح والدعاية الانتخابية، وفق جدول زمني معلن من لجنة الانتخابات المركزية.
كما أن لجنة الانتخابات أعلنت جاهزيتها لتنفيذ المرسوم الرئاسي، وهو أمر مهم، لأن استمرار العملية في مراحلها القانونية يرفع الكلفة السياسية لأي قرار لاحق بتأجيلها.
والأهم أن الانتخابات أصبحت، في نظر قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، استحقاقاً سياسياً لا يجوز الاستمرار في الهروب منه. فالمجلس التشريعي المنتخب يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي، وتجديد الشرعيات، وإنهاء حالة الجمود والانقسام التي أضعفت المؤسسات الفلسطينية لسنوات طويلة.
ثانياً: أين تكمن فرص التأجيل؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل عوامل قد تدفع نحو التأجيل.
أبرزها الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة في القدس، إضافة إلى الوضع الاستثنائي في قطاع غزة. فالانتخابات يفترض أن تشمل القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وأي عائق جوهري يمنع مشاركة إحدى هذه المناطق يمكن أن يتحول إلى ذريعة أو أزمة سياسية وقانونية. وقد أثارت تجارب سابقة مخاوف جدية من إمكانية تعطيل الاحتلال للعملية الانتخابية.
العامل الثاني هو غياب التوافق الوطني الكامل. فالانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد عملية إجرائية تديرها جهة سياسية واحدة، وإنما استحقاق وطني تشارك فيه جميع القوى والتيارات ضمن قواعد واضحة ومتفق عليها.
أما العامل الثالث فهو التعديلات القانونية والسياسية الجديدة التي سبقت الانتخابات، ومنها رفع عدد مقاعد المجلس التشريعي إلى 200 مقعد، وخفض سن الترشح إلى 23 عاماً، واشتراطات جديدة تتعلق بالمرشحين والقوائم. وهذه التعديلات تحتاج إلى نقاش وطني واسع حتى لا تتحول الانتخابات نفسها إلى سبب جديد للخلاف بدلاً من أن تكون وسيلة للخروج منه.
هل التأجيل حتمي؟
لا أعتقد أن التأجيل حتمي، كما لا أعتقد أن إجراء الانتخابات أصبح مضموناً مئة بالمئة.
المشهد الحالي يقودنا إلى معادلة واضحة: كلما تقدمت العملية الانتخابية ميدانياً وقانونياً، تراجعت فرص التأجيل، وكلما بقيت ملفات القدس وغزة والتوافق الوطني دون حلول، بقيت احتمالات التأجيل قائمة.
ولهذا فإن الأيام والأسابيع القادمة ستكون حاسمة، خصوصاً مع الانتقال من التسجيل إلى مراحل النشر والاعتراض ثم الترشح.
موقف حزب العمال الفلسطيني
إن حزب العمال الفلسطيني يرى أن الانتخابات التشريعية ليست ترفاً سياسياً ولا مناسبة لتجديد شرعية أشخاص، وإنما حق للشعب الفلسطيني واستحقاق ديمقراطي يجب احترامه.
ونحن في حزب العمال نرفض استخدام الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا ذريعة مفتوحة لتعطيل الانتخابات، كما نرفض في الوقت ذاته إجراء انتخابات شكلية أو منقوصة المشاركة.
نريد انتخابات حرة، نزيهة، شاملة، شفافة، يشارك فيها أبناء شعبنا في الضفة والقدس وقطاع غزة، وتشارك فيها جميع القوى السياسية دون إقصاء أو اشتراطات تعسفية.
وإذا كان هناك عائق حقيقي يمنع إجراء الانتخابات في موعدها، فيجب أن يكون واضحاً ومعلنًا ومبنياً على أساس قانوني ووطني، لا أن يتحول التأجيل إلى قرار سياسي مفتوح بلا سقف زمني.
الخلاصة
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط: هل ستجري الانتخابات أم ستؤجل؟
بل السؤال الأهم هو: هل نريد انتخابات تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني، أم نريد انتخابات تُستخدم لإعادة إنتاج الواقع القائم؟
الشعب الفلسطيني يستحق مجلساً تشريعياً منتخباً، قادراً على الرقابة والتشريع والمساءلة، ويستحق أن تكون الانتخابات بداية لإعادة بناء الحياة السياسية على أساس الشراكة الوطنية والتعددية الديمقراطية.
ومن هنا، فإن موقفنا واضح: نعم للانتخابات في موعدها، نعم لمشاركة الجميع، نعم لانتخابات تشمل القدس وغزة والضفة، ولا لتأجيل جديد بلا مبرر وطني وقانوني واضح.
فقد آن الأوان أن ينتقل القرار من غرف السياسة المغلقة إلى صندوق الاقتراع وإرادة الشعب الفلسطيني.
الكاتب من فلسطين