كنت في كربلاء

الدكتور ماجد عبد العزيز الخواجا  …..

عمان- كربلاء 5- 12/08/2026
تلقيت دعوة كريمة من لدن العتبة الحسينية ومركز كربلاء للدراسات للحضور والمشاركة في مؤتمر الأربعين العلمي الدولي العاشر، والذي يجيء متزامناً مع موعد الزيارة الأربعينية للعتبة الحسينية من قبل ملايين الزوار الذين يجيئون من مختلف بلاد الدنيا متخففين من كل متاع ومتعة في سبيل نيل الزيارة وكسب الأجر كما يعتقدون.
كربلاء ليست بعيدة كثيراً عن بغداد وحتى عن عمان والرياض، لكنها تتطلب مرونة نفسية وإتساع أفق ورحابة محبة، إنها الأرض السهل لأهلها وزوارها، فهي لا تحظى بجبالٍ وارتفاعات صعبة الوصول، بل إنه ما أن تصل مشارفها حتى تنفتح شوارعها وتتسّع لتحتضن تلك الملايين من الزائرين.
لم أتردد أبداً أن أتشرف بقبول الدعوة للمؤتمر الكربلائي الخاص بزيارة الأربعين، لكنه الشامل لعناوين بحثية متعددة ومتشعبة تحتمل التنوّع والحوار وحتى الجدال العلمي الرصين المنفتح.
تعمدت طيلة تواجدي في كربلاء أن أضع دبوس العلم الأردني، ليس كنوعٍ من الشوفينية أو الجهوية، إنما لأعرف وألمس كيف سيكون التواصل والتفاعل في كربلاء. ووالله لم أجد إلا كل ترحاب حيثما وأينما حللت على أرض الشهادة الحسينية.
حين نزلنا في فندق داماس الجميل الكريم، كانت الدهشة الأولى عندما وجدت أن ضيوف المؤتمر وكربلاء قد جاءوا من دولٍ عديدة متباينة أنظمتها السياسية في رؤاها وغاياتها، كان هناك الهولندي الثمانيني من العمر وزير ثقافة أسبق، وكانت هناك الإيرلندية وايزلو راسزينسكي التي شاركت في أسطول الحرية وفك الحصار عن غزة واعتقلها الجيش الصهيوني، ماريا من رومانيا، عزيزة من مسقط العمانية، زهير مخلوف النائب التونسي الأسبق، مفيدة من ليبيا، جمال وحازم من مصر، إلياس من لبنان، كاهن برتغالي، كانت هناك فيرونيكا وتارا، كان حسن العطاس وزوجته من ماليزيا. عن ماذا أتحدث، أتحدث أن هؤلاء جمعهم الحب على دروب الحسين الشهيد.
كربلاء طقسها حار جداً هذه الأيام، تصل درجات الحرارة فيها إلى مشارف الخمسين درجة نهاراً. داهمني سؤال: ما الذي يجبر الزائرين أن يواصلوا المشي ليلاً ونهاراً لا يحملون من متاع الدنيا شيئاً، فقط يمتشقون الحب على دروب معجونة بالنقاء والصفاء الإنساني الخالص لوجه المحبة. زوار كربلاء يدعون ” المشّاية” فهم يسيرون على أرجلهم يقطعون مسافات بمئات الكيلو مترات في سبيل الزيارة الحسينية.
على طول طرق المشّاية هناك ما تدعى بالمواكب، وهي عبارة عن حملات تطوعية مجانية يتم فيها تقديم كافة الخدمات وتلبية الاحتياجات للزائرين، كالطعام والشراب والراحة والعلاج وأية احتياجات إنسانية. لا غاية لهم إلا تقديم الخدمة للزوار.
لم أذهب إلى كربلاء وأنا محمل بآراء ومواقف سياسية أو دينية أو طائفية أو مذهبية مسبقة. أردتها زيارة عاشق كأي سائحٍ يبحث عن المتعة والإستجمام، بعفوية اللقاء والاكتشافات الأولى، كنت أريد الإنغماس الكامل في التجربة دون سابق انطباعات أو أحكام.
في كربلاء تجد الماء المبرّد في كلّ مكان، كأنه عنوان لعطش الشهيد، صليت قرب المحراب وفي الصحن صلاة إنسان عاشق، دعوت لبني البشر جميعهم بالسلام والسكينة والبركة.
لا أريد تعداد مناقب أن تكون ضيفاً في العراق، فالكرم والشهامة وطيب الإقامة هو المعهود عن العراق من الفاو إلى زاخو، من طريبيل إلى ميسان، هي الأصالة العربية التي تجعلك تلهج بالثناء والدعاء.
دخلت كربلاء بفطرتي وتجاربي وأفكاري ومواقفي، وخرجت من كربلاء بمحبةٍ غامرةٍ وعشقٍ صافٍ لكل من التقيته فيها.
شكراً لمن كان السبب في إتاحة فرصة لقاء كربلاء، شكراً لكل باحث ومشاركٍ جاء إلى كربلاء بعشقٍ إنساني لا تشوبه شائبة. شكراً لكل من سهر على راحتنا وتلبية احتياجاتنا من أهلنا في كربلاء الجميلة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا