ترامب يسعى لإعادة رسم الجغرافيا العالمية… فمن يرسم السياسة الأمريكية؟
بروفيسور عوض سليمية ……
باحث في العلاقات الدولية
ثمة صورة ينفرد بها ترامب ويحاول تشكيلها على الاقل في تصريحاته العلنية، ومنها ما يتعلق بالجغرافيا الدولية. تظهر على شكل موجات متتابعة من التصريحات العاصفة التي لا تتوقف، فالرئيس ترامب يطمح لضم جزيرة جرينلاند الدنماركية للولايات المتحدة، ويؤكد على جدية تصريحاته بضم كندا لتصبح الولاية 51، ويهدد بالسيطرة على قناة بنما بالقوة العسكرية الامريكية، ويتوعد كوبا بغزو قريب، بعد ان انجز المهمة في جارتها فنزويلا. غير ان المد الخطاب لم يتوقف عند هذه الجغرافيا، بل امتد الى مضيق هرمز بعد ان أطلق تصريحه الاخير «سنحوله إلى أرض تابعة للولايات المتحدة».
عند رصف هذه القطع المتناثرة جنباً إلى جنب يكشف الهيكل الناتج ان شيئاً ما يجري التحضير له أعمق من مجرد خطاب رئاسي صارم. ويبدو ان سيد البيت الابيض من خلال خطاباته يسعى جاهداً لإعادة تعريف الحدود الجغرافية في سياق ما تعتبره واشنطن مجالاً مشروعاً للمصلحة والنفوذ والسيطرة.
رؤية ترامب لإعادة تعريف الحدود الجغرافية وردت بوضوح في خطاب النصر الانتخابي الذي القاه في يناير 2025، عندما اشار الى أن «العصر الذهبي لأمريكا يبدأ الان» وعن استعادة مكانة أمريكا بوصفها الدولة الأقوى والأكثر احتراماً؛ قال «ستستعيد أمريكا مكانتها التي تستحقها باعتبارها أعظم دولة وأقواها وأكثرها احتراماً على وجه الأرض» واستحضر في بيانه قناة بنما «الصين هي التي تدير قناة بنما… ونحن نستعيدها الآن». خطابات ترامب العابرة للحدود تخطت حدود بنما، ووصلت الى جزيرة جرينلاند التي اصبحت من منظور ترامبي ليست مجرد جزيرة من الثلوج تقع في أقصى شمال الكرة الارضية بل جزء من الامن القومي الامريكي، ولم تعد كندا مجرد جار وحليف موثوق. وبصورة مشابهة، لم يعد هرمز مجرد مضيق دولي. فجميع القطع تحولت في الخطاب الترامبي إلى عُقد مفصلية في خريطة نفوذ الجغرافيا والسياسة الأمريكية.
في الواقع؛ فإن حديث ترامب عن ضم جرينلاند وكندا وبنما وقطاع غزة والان مضيق هرمز لم يكن من فراغ. واقل ما يمكن وصفه بأنه غير مسبوقة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة. ربما تأخذ هذه التصريحات والمواقف، خليطاً من ادوات سياسة الضغط الاقصى او الدبلوماسية القصرية “الضغط السياسي والصفقات الاقتصادية” الى جانب اظهار الاستعراض الخطابي المعهود لرئيس اقوى دولة في العالم. لكن دمجها معاً في إطار واحد سيغير المشهد السياسي والجغرافي.
من وجهة نظر ترامب، فإن قطاع غزة مدينة مدمرة وسوف يسيطر عليها ويحولها الى ريفيرا الشرق الاوسط؛ ويرى ان جرينلاند الجزيرة المعزولة في قلب المُتجمدين تمنح الولايات المتحدة موقعاً استراتيجياً في القطب الشمالي، حيث تشتد المنافسة الأمريكية؛ الروسية والصينية على احتياطيات المعادن الطبيعية النادرة والتحولات المتسارعة في طرق الملاحة الجليدية. وتعتبر قناة بنما الرابط الرئيسي لشرايين حركة التجارة بين المحيطين الهادي والأطلسي. أما الجارة الشمالية كندا، فتمثل الامتداد الجغرافي والأمني والاقتصادي الطبيعي للولايات المتحدة. في حين اصبحت فنزويلا بمثابة محطة وقود لا تنضبط وشبه مجانية لواشنطن. بينما ينظر ترامب الى كوبا باعتبارها نظاماً شيوعياً يجب ان يسقط، ويعرض عليها ما أطلق عليه مصطلح “الاستحواذ الودي”.
في هذا السياق، ومع اندلاع الحرب الامريكية-الاسرائيلية على إيران، وظهور مضيق هرمز كورقة ضغط قوية في يد طهران؛ أعلن ترامب يوم 12 آب/ أغسطس أن الولايات المتحدة تملك «السيطرة الكاملة» على المضيق، ثم ذهب أبعد من ذلك يوم 14 من نفس الشهر، عندما أعلن- خلال كلمة ألقاها في مقاطعة ناسو في ولاية نيويورك إنه سيعلن قريباً أن مضيق هرمز «أرض تابعة للولايات المتحدة». عند هذه النقطة، ينقل ترامب الصراع مع إيران من قضية الهيمنة على ممر استراتيجي إلى شيء مختلف كلياً. وهنا؛ فرض السيادة الامريكية على المضيق” وربما محيطه.
مع الافتراض بأن التصريح دعائي ويأتي في إطار المفاخرة الترامبية المعتادة، ولن يتحول إلى إجراء قانوني أو إقليمي. الا ان الجرأة في طرحه تكشف تحولاً في قواعد السياسية الأمريكية؛ محورها ان مبررات توفير الامن لنقاط الاختناق الدولية لم تعد تُقدَّم باعتبارها وسيلة لحماية المصالح الأمريكية فقط؛ بل يمكن أن تُناقش أو تُقر بوصفها حقاً أمريكياً مباشراً في امتلاكها وضمها. ومع تكريس الرئيس ترامب جهوده لرسم حدود الجغرافيا العالمية، نستحضر السؤال الاهم؛ من المسؤول عن رسم السياسة الأمريكية نفسها؟
في مقابلة على برنامج ساعة اخبار PBS يوم 13 سبتمبر 1991 تجاوز المرشح الجمهوري السابق للرئاسة الامريكية؛ باتريك بوكانان؛ كل الخطوط الحمراء عندما كشف عن البيئة القاسية التي يعمل فيها اعضاء الكونجرس في ظل الضغط المستمر للوبيات اسرائيل داخله؛ واصفاً “«الكونغرس الأمريكي بأنه أرض خاضعة للاحتلال الإسرائيلي». هذا التصريح ربما كان مقتبساً -او مشابهاً، لتصريح سابق أطلقه السيناتور الديموقراطي وليام فولبرايت – شغل منصب عضو الكونجرس عن ولاية اركنساس خلال الفترة 1945-1975 وتولى رئاسة لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ لمدة 15 عام، والذي وصف الكونجرس الامريكي ايضاً بأنه “ارضاً خاضعة للاحتلال الاسرائيلي”. وفقاً لما وثقه Kenneth Schmidt وموقع Brookings.
ما كشفه اعضاء الكونجرس يشير بوضوح الى وجود قيود قوية تفرض على اعضاء الكونجرس وحتى الرئيس؛ بيئة عمل صعبة. فالرئيس نفسه يحتاج الى ملايين الدولارات لتمويل حملته الانتخابية ولا يستطيع العمل بدون الكونجرس؛ والكونغرس يحتاج إلى الانتخابات؛ والانتخابات تحتاج إلى متطوعين واموال. والمال يحتاج إلى مانحين ومؤسسات وجماعات الضغط من جيوب مالية عميقة. على هذا النحو، فإن السياسة الخارجية والداخلية الامريكية نفسها؛ لا تتشكل في البيت الأبيض او الكونجرس وحده. ولا يستطيع الرئيس ترامب نفسه ان يعمل خارج هذه المنظومة مهما حاول الابتعاد عنها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الرئيس الذي وعد بتقليص الحروب الخارجية، يطرح تعريفاً أوسع بكثير للمصالح الامريكية والتي من الطبيعي أن توسع دائرة الحروب. لأنه ببساطة ليس الوحيد المتحكم في المؤشر. في الواقع، ترامب يستطيع شفهياً أن يقول هرمز او غيره … سيكون ارضاً امريكية. لكنه يحتاج إلى الكونجرس للغطاء السياسي، ويحتاج الى تجهيز القوة العسكرية، وتوفير الموارد المالية، ثم قرار يتحمل تداعياته؛ قبل ان تتحول المفردات إلى سياسة. وكل هذا يحتاج الى تدفقات مالية سخية من جيوب شبكة من المتبرعين اصحاب المصالح.
الكاتب من فلسطين