يا أمةَ «كان يا ما كان»… الغرب يصنع المستقبل ونحن نفتّش عن أمجاد الأجداد!

محي الدين غنيم   …….

يا سادة، يبدو أننا نحن العرب والمسلمين قد اتفقنا منذ زمن بعيد على عقدٍ غريب مع الزمن: نحن نعيش في الماضي، والماضي يعيش فينا، أما المستقبل فليذهب إلى غيرنا!
كلما أردنا أن نتحدث عن أنفسنا، فتحنا كتب التاريخ، وأخرجنا منها المعارك والفتوحات والعلماء والشعراء، ثم جلسنا بفخر أمام العالم نقول: كان عندنا الخوارزمي وابن الهيثم وابن سينا وابن رشد…
حسناً… وماذا عندنا اليوم؟!
عندنا هواتف ذكية، لكننا نستخدمها غالباً لنشتم بعضنا بعضاً، وننشر الإشاعات، ونتجادل حول من كان أعظم قبل ألف سنة!
الغرب لم يسأل نفسه كل صباح: ماذا فعل أجدادي قبل ألف عام؟ بل سأل: ماذا سأفعل أنا غداً؟
فماذا فعلنا نحن؟
أقمنا خيمة في الماضي، ونصبنا فيها مجلساً، وجلسنا نتغنى بالأمجاد، بينما قطار المستقبل مرّ من أمامنا وقال لنا: مع السلامة!
المشكلة ليست في التاريخ، فالتاريخ ذاكرة الأمم، وإنما المشكلة أن يتحول التاريخ إلى مخدّر جماعي يمنعنا من رؤية حاضرنا البائس ومستقبلنا المجهول.
نحن نملك النفط والغاز والثروات والموقع الجغرافي والثروات البشرية، ومع ذلك يعيش جزء كبير من شعوبنا تحت ضغط الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار، بينما تتحول ثرواتنا إلى أرقام ضخمة في الحسابات، ولا تتحول بالقدر الكافي إلى مدارس حديثة، ومختبرات، ومصانع، وجامعات منتجة، واقتصاد يضع الإنسان في مقدمة أولوياته.
يا للمفارقة!
أرضٌ غنية وشعوبٌ تحتاج إلى الراتب حتى آخر الشهر!
نحن أمة تستطيع أن تقضي أسبوعاً كاملاً في نقاش: من كان أفضل، الدولة الأموية أم العباسية؟ ومن كان أعظم، هذا القائد أم ذاك؟
لكن لو سألت أحدهم: أين خطتك لتطوير التعليم بعد عشرين عاماً؟
قد ينظر إليك وكأنك تحدثه باللغة السنسكريتية!
نحن بارعون في الاحتفال بما أنجزه الأجداد، لكننا أقل براعة في صناعة إنجاز جديد يُحتفل به بعد مئة عام.
والأغرب أننا نغضب عندما نقول إن الغرب تقدم علينا.
يا جماعة الخير… الغرب لم يسرق المستقبل منا؛ نحن ببساطة تركناه فارغاً وذهبنا نبحث عن مفاتيح الماضي!
هم يبنون جامعات ومراكز أبحاث ومصانع وشركات تكنولوجية، ويخططون للطاقة والمياه والذكاء الاصطناعي والفضاء لعشرات السنين المقبلة.
ونحن أحياناً لا نستطيع الاتفاق على شيء بسيط دون أن يتحول الأمر إلى معركة على وسائل التواصل الاجتماعي!
هناك شعوب تخطط لما سيكون عليه العالم بعد خمسين عاماً، بينما نحن نختلف على منشور كتبه شخص مجهول على فيسبوك قبل خمس دقائق!
يا أمة المليار وأكثر… إلى متى؟
الإسلام لم يأمرنا بأن نعيش أسرى الماضي، والعروبة ليست قصيدة نتغنى بها ثم نعود إلى واقع لا يليق بما نتغنى به.
الأمم لا تُقاس فقط بما أنجزته قبل ألف عام، بل بما تستطيع أن تنجزه اليوم.
نحن بحاجة إلى ثورة في طريقة التفكير؛ ثورة تجعل العلم قيمة، والعمل كرامة، والإنتاج هدفاً، والبحث العلمي مشروعاً وطنياً، والشباب ثروة حقيقية، والإنسان العربي محور التنمية لا مجرد رقم في سجلات البطالة.
نحتاج أن نتوقف عن سؤال: ماذا كان لدينا؟
ونسأل بدلاً منه: ماذا نريد أن يكون لدينا؟
فالتاريخ لا يطعم الجائع، والماضي لا يبني مصنعاً، والأمجاد لا تصنع دواءً، والخطب الرنانة لا تطلق قمراً صناعياً.
احترموا الماضي… نعم.
تعلموا منه… بالتأكيد.
لكن لا تسكنوا فيه!
فمن يعيش على أمجاد أجداده، ويترك أبناءه بلا مشروع للمستقبل، يشبه رجلاً ورث قصراً عظيماً من أجداده، ثم جلس طوال حياته يتباهى بصوره القديمة، بينما سقف القصر ينهار فوق رأسه!
نحن لسنا فقراء لأن بلادنا بلا ثروات، ولسنا متأخرين لأن تاريخنا فقير.
نحن نتأخر عندما يصبح الماضي بديلاً عن الحاضر، وعندما يصبح الكلام بديلاً عن العمل، والشعارات بديلاً عن العلم، والجدل بديلاً عن الإنتاج.
فإما أن نغادر متحف الماضي ونبدأ ببناء المستقبل… أو سيظل العالم يتقدم، بينما نظل نحن نقول لأبنائنا: “كان يا ما كان… كان عندنا أجداد عظماء!”

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا