فادي السمردلي يكتب: الأردن في عيون أبنائه… لماذا يبقى الوطن أكبر من الظروف؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث* #اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
هناك أوطان نحبها لأنها أعطتنا كل شيء، وهناك أوطان نحبها رغم أنها لم تعطنا كل شيء وأنا أنتمي إلى الأردن من النوع الثاني أحب هذا البلد ليس لأنه كامل ولا لأنه خالٍ من المشاكل، بل لأنه وطني، ولأنني أعرف كم تعب أبناؤه حتى يبقى واقفاً في وجه الظروف.
الأردن بالنسبة لي ليس مجرد حدود مرسومة على الخريطة، وليس اسماً نردده في المناسبات فالأردن هو البيت الذي كبرنا فيه، والشارع الذي عرفناه، والمدرسة التي تعلمنا فيها، ووجوه الناس التي عشنا بينها فهو ذكريات الآباء والأجداد، وهو صوت الأذان وأجراس الكنائس في القرية والمدينة، وهو الجندي الذي يقف بعيداً عن بيته حتى ننام نحن بأمان.
وعندما أنظر إلى تاريخ الأردن، أشعر أن أكبر ما يملكه هذا البلد ليس المال ولا الموارد الطبيعية، وإنما الإنسان الأردني فهذا الإنسان الذي تعلم كيف يعيش بالقليل، وكيف يعمل عندما تكون الظروف صعبة، وكيف يقف مع أخيه عندما يحتاجه، وكيف يقول في النهاية: الأردن أولاً.
لم يكن طريق الأردن سهلاً. فمنذ بدايات الدولة الحديثة، كانت الإمكانات محدودة والتحديات كثيرة ومع ذلك استطاع الأردنيون أن يبنوا دولة لها مؤسساتها وجيشها وأجهزتها ومدارسها وجامعاتها، وأن يحافظوا على استقرارها في منطقة عاشت وما زالت تعيش الكثير من الأزمات.
وهذه الحقيقة يجب ألا ننساها عندما نواجه صعوبة في حياتنا اليومية نعم، لدينا مشاكل اقتصادية، ولدينا بطالة وارتفاع في تكاليف المعيشة، ولدينا شباب يبحثون عن فرص، ولدينا قضايا كثيرة تحتاج إلى حلول ولكن وجود المشاكل لا يعني أن الوطن فشل، ولا يعني أن علينا أن نتخلى عن الأمل.
أنا لا أريد أن أكتب عن الأردن وكأنه بلد بلا أخطاء بالعكس، حب الأردن يجعلني أريد أن أراه أفضل ومن يحب وطنه لا يخاف من الحديث عن مشاكله، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح لأحد أن يحول مشاكله إلى سبب لكره الوطن أو فقدان الثقة به.
هناك فرق كبير بين أن ننتقد من أجل الإصلاح، وبين أن نفقد إيماننا ببلدنا فالنقد يمكن أن يكون حباً، والمطالبة بحياة أفضل حق، لكن اليأس من الوطن شيء آخر.
وأنا أؤمن أن الأردن أكبر من أي حكومة، وأكبر من أي مسؤول، وأكبر من أي مرحلة اقتصادية صعبة فالحكومات تتغير، والمسؤولون يتغيرون، والظروف تتغير، لكن الأردن يبقى.
وهذا الوطن لم يصنعه مسؤول واحد، ولا حزب، ولا منطقة، ولا عشيرة واحدة فقد صنعه الأردنيون جميعاً الجندي على الحدود، والمعلم في المدرسة، والطبيب في المستشفى، والمزارع في أرضه، والعامل في مصنعه، والموظف خلف مكتبه، والأم التي تربي أبناءها على حب الأردن.
ولذلك فإن أجمل ما في الأردن هو هذا الشعور الذي يجمع الناس عندما تصبح المسألة مرتبطة بالوطن فقد نختلف في السياسة، وقد نختلف في الاقتصاد، وقد نختلف في وجهات النظر، لكن عندما يتعلق الأمر بأمن الأردن واستقراره، تظهر تلك الروح التي عرفناها عند آبائنا وأجدادنا.
وهنا أتذكر دائماً الجيش العربي الأردني وذلك الجندي الذي لا يسأل عندما يأتيه الواجب عن صعوبة المكان أو قسوة الطقس فيقف في موقعه، يحمل سلاحه، ويحمل معه أيضاً مسؤولية وطن كامل.
وأتذكر الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمناً لهذا الوطن فهؤلاء لم يكونوا أرقاماً في كتب التاريخ، بل كانوا أبناءً وآباءً وإخوة وأصدقاء فتركوا خلفهم عائلات وبيوتاً وأحلاماً، لكنهم تركوا أيضاً شيئاً أكبر تركوا لنا وطناً نحمله نحن اليوم.
كما أتذكر العشائر الأردنية التي كانت جزءاً من قصة بناء الدولة قدمت أبناءها للجيش، وللإدارة، والتعليم، والسياسة، والزراعة، وكل ميادين العمل فلم يكن بناء الأردن مشروعاً لفئة واحدة، بل كان مشروعاً شارك فيه الجميع.
وهذا هو السبب الذي يجعلني أرفض كل محاولة لتقسيم الأردنيين إلى مجموعات متنافسة فالأردن أقوى عندما يكون أبناؤه يداً واحدة، وعندما يكون الانتماء الوطني هو المظلة التي تجمع الجميع.
نحن بحاجة اليوم إلى أن نعلم أبناءنا أن حب الوطن ليس صورة على مواقع التواصل الاجتماعي، وليس أغنية نسمعها في مناسبة وطنية فقط فحب الوطن أن تحافظ على الشارع، وتحترم القانون، وتؤدي عملك بإخلاص، وتساعد جارك، وتحافظ على المال العام، وتتعلم، وتنجح، وتترك أثراً طيباً خلفك.
حب الأردن أيضاً أن ترفض اليأس وليس معنى ذلك أن نتجاهل المشاكل، بل أن نؤمن أن لدينا القدرة على حلها. فالوطن الذي استطاع أن يبني نفسه في ظروف صعبة يستطيع أن يتقدم إذا امتلك أبناؤه الإرادة والعمل.
وأنا لا أريد للأردني أن يشعر بالخجل عندما يقول إنه يحب وطنه في زمن أصبحت فيه كلمة الانتماء عند البعض موضع سخرية، أقولها بكل وضوح: نعم، أنا أنتمي إلى الأردن، وأفتخر بذلك.
أفتخر بالأردني الذي يعمل رغم التعب، وبالأم التي تتحمل من أجل أبنائها، وبالشاب الذي يحاول أن يبدأ من الصفر، وبالجندي الذي يحرس الحدود، وبالمعلم الذي يزرع المعرفة، وبكل إنسان يحاول أن يجعل هذا البلد أفضل ولو بخطوة صغيرة.
الأردن ليس غنياً بكل شيء، لكنه غني بأهله. وربما تكون هذه أعظم ثرواته.
وقد نختلف حول الطريق، لكن يجب ألا نختلف على الوجهة. والوجهة يجب أن تكون أردناً أقوى، وأكثر عدلاً، وأكثر قدرة على توفير الفرص لأبنائه، وأكثر تمسكاً بهويته وقيمه.
في النهاية، الوطن لا يكون عظيماً لأنه لا يمر بأزمات، بل لأنه يملك أبناءً لا يتخلون عنه عندما تشتد الأزمات.
وهذا هو الأردن الذي أعرفه.
الأردن الذي قد يتعب، لكنه لا ينكسر.
الأردن الذي قد تضيق به الظروف، لكنه لا يفقد كرامته.
الأردن الذي قد يختلف أبناؤه، لكنهم يجتمعون عندما ينادي الوطن.
وأنا كأردني، لا أريد وطناً مثالياً في الكلام فقط، بل أريد وطناً نعمل من أجله ونختلف من أجل إصلاحه ونحافظ عليه كما حافظ عليه الذين سبقونا.
فالأردن ليس مرحلة عابرة في حياتنا.
الأردن هو البيت… والبيت مهما كانت ظروفه، يبقى بيتنا.
الكاتب من الأردن