إتفاق غزة ..على غرار إتفاق بول بريمر بعد إحتلال العراق ؟

عمران الخطيب  …..

 

لم يعد المشهد الفلسطيني بعد حرب غزة كما كان قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد أفرزت الحرب واقعًا سياسيًا جديدًا، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل قطاع غزة، ودور حركة حماس، وشكل النظام السياسي الفلسطيني، ومستقبل العلاقة بين قطاع غزة والضفة الغربية.
وفي تقديري، فإن الدور الذي لعبه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في بلورة التصور الأمريكي الجديد، إلى جانب الدور المصري والتركي والقطري، يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تمامًا، عنوانها الأساسي: تسليم السلاح، ومنع المقاومة المسلحة بكل المسميات وإعادة صياغة دور حماس داخل النظام السياسي بدل استمرارها كقوة عسكرية حاكمة في قطاع غزة. لقد نجحت حركة حماس، ومعها فصائل فلسطينية أخرى، تحت شعار المقاومة، في فرض نفسها لاعبًا أساسيًا في المشهد الفلسطيني. وفي المقابل، أسهم الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، وكذلك مواقف القوى السياسية الإسرائيلية اليمينية، في إسقاط فرص كثيرة كانت قد نشأت بعد اتفاق أوسلو، وصولًا إلى اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، الذي مثّل اغتياله نقطة تحول خطيرة في مسار التسوية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه اليوم ليس فقط: من يتحمل مسؤولية ما حدث؟ بل: ماذا تعلموا الفصائل من تجربة العقود الماضية؟
لقد تحولات المقاومة، في مراحل عديدة، من وسيلة لمواجهة الاحتلال إلى جزء من صراع فلسطيني داخلي على السلطة والنفوذ. كما أن الانقسام بين حركتي فتح وحماس لم يكن نتيجة الخلاف حول أوسلو وحده؛ بل كان للصراع على السلطة والنظام السياسي دور أساسي في تكريسه.
فبعد فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006 وحصولها على كتلة برلمانية كبيرة، كانت أمامها فرصة تاريخية للعمل من داخل النظام السياسي وتغيير كثير من السياسات والقواعد عبر المؤسسات الدستورية، بدل الوصول إلى الانقلاب الدموي في قطاع غزة عام 2007، وما ترتب عليه من انقسام جغرافي وسياسي بين شطري الوطن.
ومنذ ذلك التاريخ، أمضى الفصائل الفلسطينية نحو عقدين في حوارات ومبادرات للمصالحة عقيمه في عواصم عربية وإقليمية عديدة، دون أن يتمكنوا من إنهاء الانقسام.
واليوم، يبدو أن ما عجز عن تحقيقه من حوارات فلسطينية طوال سنوات طويلة قد تفرضه تداعيات الحرب والدمار والواقع السياسي الجديد في غزة.
وهنا تبرز أسماء جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إلى جانب محمد دحلان، باعتبارهم جزءًا من التصور المطروح للمرحلة المقبلة، في ظل انخراط مصري وتركي وقطري، ودعم أمريكي وإقليمي.
والسؤال المطروح هو: هل نحن أمام صيغة جديدة يكون فيها قطاع غزة جزءًا من منظومة سياسية فلسطينية مختلفة، وتتحول فيها حماس من حركة مسلحة إلى حزب سياسي يشارك في النظام السياسي، بعد التخلي عن السلاح وإخراجه من قطاع غزة؟ على غرار نظام بول بريمر بعد إحتلال العراق الشقيق حيث شارك الحزب الإسلامي في منظومة النظام الجديد
إذا كان هذا هو الاتجاه بالفعل، فإن القضية لا ينبغي أن تقتصر على مطالبة حماس بتسليم السلاح أو التحول إلى حزب سياسي. المطلوب، في تقديري، هو مراجعة سياسية وفكرية شاملة من جانب حركة حماس، وكذلك مختلف الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة فتح التي تقود منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.
فالشعب الفلسطيني بحاجة اليوم إلى مراجعة صريحة لتجربة السنوات الماضية: ماذا حقق الانقسام؟ وماذا حققت الحرب؟ وماذا حققت استراتيجية المقاومة المسلحة؟ وماذا حققت المفاوضات؟ وهل كان الصراع الداخلي على السلطة سببًا أساسيًا في إضاعة فرص تاريخية أمام الفلسطينيين؟
لقد دفع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ثمنًا هائلًا للحرب والدمار، وسقط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وتعرض مئات الآلاف للنزوح وفقدان المنازل ومصادر الحياة، إضافة إلى الاعتقالات والمعاناة الإنسانية الواسعة.
ومن هنا، فإن أي اتفاق أو ترتيبات سياسية جديدة يجب ألا تكون مجرد صفقة بين القوى السياسية، بل يجب أن تكون أولًا استجابة لمصالح الشعب الفلسطيني الذي دفع الثمن الأكبر.
أما الحديث عن إنشاء «مدينة إنسانية» في محافظة رفح أو إعادة ترتيب الأوضاع في قطاع غزة، فيجب ألا يتحول إلى مشروع لإدارة الأزمة الإنسانية فقط، بل ينبغي أن يكون جزءًا من رؤية سياسية واضحة تعيد القضية الفلسطينية إلى أساسها: إنهاء الاحتلال، وإنهاء الانقسام، ووحدة النظام السياسي والجغرافي الفلسطيني، وفتح الطريق أمام حل سياسي عادلة وفقا للقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة..
وفي هذا السياق، يبرز اسم محمد دحلان ودوره المحتمل في المرحلة المقبلة، وهو اسم ارتبط تاريخيًا بالصراع السياسي والأمني داخل الساحة الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة. ومن المفارقات السياسية أن الرجل الذي كان جزءًا من مرحلة الصراع بين فتح وحماس، قد يجد نفسه اليوم حاضرًا في صيغة سياسية يُراد لها أن تكون جزءًا من إنهاء الانقسام وإعادة تشكيل المشهد في غزة.
لكن نجاح أي صيغة جديدة لن يتوقف على أسماء الأشخاص وحدها، بل على مدى قبول الشعب الفلسطيني بها، وقدرتها على توفير الأمن والحياة الكريمة وإعادة الإعمار، وعلى وجود أفق سياسي حقيقي.
لقد أثبتت السنوات الطويلة من الانقسام أن الصراع على السلطة كان، في جانب مهم منه، أحد أسباب استمرار الانقسام الفلسطيني. ولذلك فإن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه اليوم هو أن السلطة ليست هدف، وإنما وسيلة لخدمة الشعب وتحقيق حقوقه الوطنية.
وكان من الممكن، في تقديري، أن تجري مراجعات سياسية عميقة قبل السابع من أكتوبر 2023، وأن تقدم حماس والفصائل الأخرى تنازلات سياسية أقل بكثير مما قد تضطر إلى تقديمه اليوم تحت وطأة الحرب والدمار والضغوط الإقليمية والدولية.
لسنا اليوم في صدد محاسبة حركة حماس وحدها، ولا تبرئة حركة فتح أو بقية الفصائل. فالمسؤولية السياسية عن حالة الانقسام تتحملها أطراف فلسطينية متعددة، كل بحسب دوره ومسؤوليته.
المطلوب الآن هو أن تواجه حركة حماس الشعب الفلسطيني بوضوح، وأن تقدم مراجعة سياسية لتجربتها، وأن توضح للمنكوبين في قطاع غزة لماذا استمرت حالة الانقسام طوال هذه السنوات، ولماذا لم يتم التوصل إلى صيغة سياسية تنهي الانقسام قبل أن تصل الأمور إلى هذه الكارثة.
وبالمثل، فإن حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية مطالبة هي الأخرى بمراجعة تجربتها، وبالاعتراف بأن استمرار الانقسام لم يكن مسؤولية طرف واحد.
إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الصراع بأسماء جديدة، ولا إلى انتقال الصراع من «فتح وحماس» إلى قوى أخرى. ما يحتاجه هو نظام سياسي فلسطيني موحد، تعددي وديمقراطي، يحتكم إلى الانتخابات والمؤسسات والقانون، ويضع السلاح والسلطة تحت مرجعية وطنية واحدة.
لقد كانت تجربة أوسلو بداية لمسار سياسي لم يحقق أهدافه، لكن أوسلو، في تقديري، لم يكن وحده مصدر المأساة الفلسطينية. فقد كان الصراع على السلطة، والانقسام الداخلي، وغياب المشروع الوطني الموحد، واستمرار الاحتلال، وتعاقب الحكومات الإسرائيلية الرافضة للتسوية، عوامل تداخلت جميعًا في إنتاج المأزق الذي نعيشه اليوم.
ومن هنا، فإن اتفاق غزة ــ إذا تحول إلى واقع سياسي ــ يجب ألا يكون مجرد اتفاق لإنهاء الحرب، بل فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بأكمله.
فالمطلوب ليس فقط إنهاء الحرب، وإنما إنهاء أسباب تكرارها. وليس فقط إخراج السلاح من غزة، وإنما إخراج الانقسام من الحياة السياسية الفلسطينية. وليس فقط إعادة إعمار غزة، وإنما إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على قاعدة الوحدة والشراكة والديمقراطية.
وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام حماس وفتح وكل الفصائل الفلسطينية، كما أنه الاختبار الحقيقي أمام أي قيادة جديدة ستتولى مسؤولية قطاع غزة.
إن الشعب الذي دفع هذا الثمن الهائل يستحق أكثر من اتفاق مؤقت؛ يستحق بداية جديدة.

عمران الخطيب

[email protected]

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا