سوق النخاسة الرقمي: قراءة في المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
د. منى النحلاوي ……
جاءت المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتؤكد حق الإنسان في التحرر من العبودية والاتجار بالرقيق بجميع صورهما، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل انتهت العبودية فعلًا، أم أنها غيّرت شكلها؟
لم تعد السلاسل دائمًا من حديد، ولا يحتاج الاستعباد المعاصر إلى قيود تُرى بالعين؛ بل أصبحت هناك سلاسل ناعمة تُصنع من الصورة، الإعلان، المقارنة، ومعايير الجمال التي تتسلل إلى وعينا حتى نعتقد أننا نختار بحرية، بينما قد تكون رغباتنا قد صُنعت لنا مسبقًا.
والمشكلة لم تعد في أن يهتم الإنسان بمظهره أو يختار تغيير بعض تفاصيله، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها الاختيار إلى شعور دائم بأن جسده ووجهه الطبيعي غير كافٍ، وأن القبول الاجتماعي يحتاج إلى وجه أو جسد مطابق لمعايير السوق.
وهنا يظهر السؤال الأكثر إرباكًا: هل كل اختيار نمارسه هو بالضرورة اختيار حر؟
في الإرث الفلسفي القديم، برر أرسطو العبودية بفكرة أن بعض البشر “مهيؤون بالطبيعة” للخضوع. أما اليوم، فقد تبدو الصورة معكوسة؛ إذ تُقنعنا الثقافة الاستهلاكية بأن أجسادنا الطبيعية تحتاج إلى التعديل والنحت لنقترب من صورة مثالية تتغير باستمرار.
وقد تنبه الفيلسوف الفرنسي غي ديبور، في أطروحته “مجتمع الاستعراض”، إلى انتقال المجتمع من إنتاج السلع إلى إنتاج الصور والرغبات أيضًا. واليوم أصبحت الشاشة لا تعرض لنا العالم فحسب، بل تعرض لنا الصورة التي يُفترض أن نكون عليها.
هكذا يتحول الجسد من مساحة نعيش فيها إلى مشروع دائم للتقييم والتحسين، وتتحول الصورة إلى سلعة، والرغبة إلى سوق، والقلق من الذات إلى فرصة اقتصادية.
ومن هنا يمكن فهم مفهوم “سوق النخاسة الرقمي”؛ فهو لا يتاجر بالإنسان بوصفه جسدًا ماديًا فحسب، بل يتاجر بصورته، بحاجته الماسة إلى القبول، بشعوره بالنقص، وبالرغبة الملحة في أن يكون كما يريد الآخرون أن يروه.
ولا يعني ذلك أن كل اهتمام بالمظهر أو كل استخدام للتكنولوجيا هو شكل من أشكال العبودية، وإنما يبدأ الخطر عندما تُسلب من الإنسان قدرته على التمييز بين ما يريده حقًا وما زُرع فيه حتى ظنه إرادته.
فالتحرر الحقيقي لا يتحقق بغياب السلاسل الحديدية وحدها، بل باستعادة الإنسان حقه في تعريف ذاته وجسده وقيمته بعيدًا عن المقاييس التي تُفرض عليه باسم الجمال والنجاح والقبول.
وهنا نطرح سؤالين يدعوان إلى التفكر:
– ما الفرق بين الرغبة التي نختارها، والرغبة التي صُنعت لنا ثم أقنعونا بأنها اختيارنا الذاتي؟
– هل نحن نواكب العصر، أم أن العصر هو من يستعبدنا؟
من: مشروع العدالة الإنسانية والوعي الناقد
الكاتبة أردنية
تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية