فادي السمردلي يكتب: لا إصلاح بلا إعلام حر ومسؤول

بقلم فادي زواد السمردلي  ….

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

ليس من المبالغة القول إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من اقتصاد متين أو مؤسسات راسخة، بل أيضًا بقدرتها على بناء فضاء إعلامي حر ومسؤول، يتيح تداول المعلومات، ويعزز ثقة المواطنين، ويشكل حلقة وصل حقيقية بين الدولة والمجتمع. فالإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو شريك في صناعة الوعي، وركن أساسي في أي مشروع إصلاحي يسعى إلى تحقيق التنمية والاستقرار.

عندما تتراجع مساحة حرية الإعلام، لا تختفي الحاجة إلى المعرفة، بل تبحث الجماهير عن بدائل أخرى وهنا تبرز منصات التواصل الاجتماعي بوصفها المصدر الأسرع للمعلومة، بغض النظر عن مدى دقتها أو مصداقيتها وفي ظل هذا الواقع، يصبح الرأي العام أكثر عرضة للإشاعات والمعلومات المضللة، ويزداد تأثير الحسابات المجهولة والأجندات التي قد لا تضع المصلحة الوطنية في مقدمة أولوياتها.

لقد أثبتت التجارب أن تقييد الإعلام لا يؤدي إلى تقليل النقاش، وإنما ينقله من المؤسسات الإعلامية المهنية إلى فضاءات إلكترونية مفتوحة، يصعب فيها التحقق من المعلومات أو مساءلة ناشريها. وهنا تكمن المفارقة فبدل أن يكون الإعلام الوطني المرجع الأول للمواطن، يتحول إلى مصدر ثانوي، بينما تتصدر المنصات الرقمية المشهد، بما تحمله من إيجابيات وسلبيات.

الإعلام الحر لا يعني الفوضى، كما أن المسؤولية لا تعني التقييد فالفرق كبير بين إعلام يمارس دوره وفق القانون وأخلاقيات المهنة، وبين إعلام يخشى الاقتراب من القضايا التي تشغل الناس فكلما اتسعت مساحة النقاش المهني والموضوعي، تراجعت مساحة الشائعات، لأن الحقيقة تجد من يقدمها بوضوح واحترافية.

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن النقد يضعف مؤسسات الدولة. على العكس تمامًا، فالنقد المسؤول يكشف مواطن الخلل قبل أن تتفاقم، ويمنح صانع القرار صورة أكثر واقعية عن احتياجات المجتمع وتطلعاته أما غياب الأصوات المهنية، فإنه يخلق فجوة بين المؤسسات والرأي العام، وهي فجوة غالبًا ما تملؤها التأويلات والمعلومات غير الدقيقة.

إن مشروع الإصلاح، أيًا كان مجاله، يحتاج إلى إعلام قادر على الشرح والتفسير والمساءلة ونقل الحقائق للناس فالمواطن لا يساند السياسات العامة إلا إذا فهم أهدافها، واطمأن إلى أن هناك إعلامًا ينقل له الصورة كاملة، بعيدًا عن المبالغة أو الإخفاء لذلك فإن بناء الثقة لا يتم عبر الخطاب الأحادي، وإنما عبر الشفافية وإتاحة المجال للرأي والرأي الآخر ضمن إطار من المسؤولية الوطنية.

ولا يمكن تجاهل أن الإعلام المهني يمثل خط الدفاع الأول عن الوطن في مواجهة حملات التضليل والاستهداف الخارجي فالمعلومة الدقيقة التي تصل في وقتها تقطع الطريق على الإشاعة، والشفافية تقلل من فرص استغلال الفراغ المعلوماتي وكلما كان الإعلام أكثر استقلالًا ومهنية، ازدادت قدرته على الدفاع عن مصالح الدولة بالحجة والحقائق، لا بالشعارات.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في منافسة منصات التواصل الاجتماعي، بل في استعادة ثقة الجمهور. وهذه الثقة لا تُكتسب بالمنع أو التضييق، وإنما بالمصداقية والسرعة والقدرة على معالجة هموم الناس بجرأة واتزان فالجمهور أصبح أكثر وعيًا، ويستطيع التمييز بين الإعلام الذي يخاطب عقله، والإعلام الذي يكتفي بترديد الرواية دون تحليل أو نقاش.

إن الدول التي نجحت في ترسيخ الاستقرار والإصلاح لم تعتبر الإعلام خصمًا، بل شريكًا في التنمية فكلما كان الإعلام أكثر حرية والتزامًا بالمسؤولية المهنية، ازدادت قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات، وتعززت الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وفي النهاية، يبقى الإعلام الحر والمسؤول ضرورة وطنية، لا مطلبًا لفئة بعينها فهو الضمانة الحقيقية لمجتمع أكثر وعيًا، ولدولة أكثر قوة، ولمشروع إصلاحي أكثر قدرة على النجاح. فلا إصلاح حقيقي دون إعلام يمتلك حرية السؤال، وشجاعة الطرح، وأمانة نقل الحقيقة، في إطار من القانون والمصلحة الوطنية فالإعلام الحر ليس عبئًا على الدولة، بل أحد أهم استثماراتها في بناء الثقة، وترسيخ الاستقرار، وصناعة المستقبل.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا