فادي السمردلي يكتب: الكهرباء في الأردن أزمة تتضخم خارج السيطرة

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

لم تعد أزمة الكهرباء في الأردن مجرد ملف اقتصادي يُدار ضمن حدود الموازنة العامة أو نقاشات السياسات القطاعية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا بين الاقتصاد والسياسة والخدمة العامة ويأتي ذلك في وقت تناقش فيه لجنة الطاقة والثروة المعدنية النيابية مديونية شركة الكهرباء الوطنية، التي بلغت خسائرها التراكمية نحو 6.56 مليار دينار رغم ارتفاع مبيعات الكهرباء بنسبة 2.5%، وهو ما يعكس حجم الاختلالات المالية التي ما زالت ترافق القطاع، ويؤكد أن زيادة الطلب أو المبيعات وحدها لم تعد كافية لمعالجة الأزمة.

فالأرقام المتراكمة في مديونية شركة الكهرباء الوطنية لم تعد تفصيلًا محاسبيًا يمكن تجاوزه، بل مؤشرًا على اختلال بنيوي أعمق في قطاع الطاقة بكامله، اختلال يتسع بهدوء لكنه يفرض نفسه على كل مفصل مالي في الدولة.

المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع الكلفة أو تقلبات أسعار الطاقة عالميًا، بل بطريقة بناء منظومة الكهرباء نفسها إنتاجًا وشراءً وتسعيرًا وتوزيعًا فالشركة الوطنية للكهرباء تتحمل عبئًا مزدوجًا يتمثل في شراء الطاقة وفق عقود طويلة الأمد، وبيعها بأسعار لا تعكس الكلفة الحقيقية بشكل كامل، مما يخلق فجوة مالية تتراكم عامًا بعد عام وهذه الفجوة لم تعد عجزًا تشغيليًا عابرًا، بل أصبحت دينًا هيكليًا يضغط على الخزينة العامة ويحد من قدرة الدولة على توجيه الإنفاق نحو قطاعات إنتاجية أخرى.

الأخطر في المشهد أن الأزمة لم تعد مرتبطة بعامل واحد يمكن إصلاحه بإجراء تقني أو قرار إداري سريع وحتى مع محاولات تنويع مصادر الطاقة والاعتماد المتزايد على الغاز والطاقة المتجددة، بقيت كلفة النظام مرتفعة، وبقيت شبكة الالتزامات المالية قائمة دون حل جذري، مما يعني أن أي تحسن في جانب الإنتاج لا ينعكس تلقائيًا على الاستقرار المالي، لأن بنية التسعير والالتزامات التعاقدية لا تزال تتحرك ضمن الإطار نفسه.

في المقابل، يتعامل المواطن مع النتيجة النهائية فقط فاتورة كهرباء تُعد من الأعلى نسبيًا في المنطقة مقارنة بمستويات الدخل، مما يضيف بعدًا اجتماعيًا للأزمة ومع كل موجة ارتفاع في الاستهلاك أو تغير في الدعم الحكومي، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة من يتحمل الكلفة الحقيقية للطاقة في الأردن؟ الدولة أم المواطن أم النموذج نفسه؟

القلق الأكبر لا يكمن في حجم الدين فقط، بل في وتيرة تراكمه واستمراريته فالأزمة لم تصل إلى نقطة انفجار مفاجئ، لكنها تتوسع تدريجيًا بطريقة تجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة مع مرور الوقت فكل سنة مالية جديدة تضيف طبقة إضافية من الالتزامات، وكل إصلاح جزئي يؤجل المشكلة بدلًا من معالجة جذورها.

ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا هو أن قطاع الطاقة لم يعد مجرد قطاع خدمي، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بالأمن الاقتصادي للدولة فأي اختلال في هذا القطاع ينعكس فورًا على الموازنة العامة والاستثمار وقدرة الحكومة على ضبط العجز، وهو ما يجعل استمرار الأزمة دون معالجة جذرية مخاطرة تتجاوز حدود شركة الكهرباء الوطنية نفسها.

اليوم، لا يبدو السؤال المطروح هو: كيف نخفض مديونية الكهرباء فقط؟ بل هل النموذج الحالي لإدارة الطاقة قابل للاستمرار أصلًا؟ فالمؤشرات الحالية توحي بأن الأزمة لم تعد بحاجة إلى ترميمات متفرقة، بل إلى إعادة قراءة شاملة لمنظومة الطاقة من الأساس، قبل أن تتحول من أزمة متضخمة إلى واقع مالي دائم يصعب الخروج منه.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا