فادي السمردلي يكتب: حين يدفع المواطن الثمن البطالة والديون والغلاء تحت مجهر المسؤولية
بقلم فادي زواد السمردلي …..
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
كما اقرأ واشاهد ويشاهد الجميع في حياة المواطنين اليومية، لا تظهر الأزمات الاقتصادية على شكل أرقام وتقارير فقط بل تتحول إلى تفاصيل يعيشها الناس في منازلهم وأسواقهم ومستقبل أبنائهم فخلف كل شاب يبحث عن فرصة عمل هناك قصة انتظار وقلق وخلف كل أسرة تعاني من ارتفاع الأسعار هناك محاولات مستمرة للحفاظ على مستوى معيشي مقبول، وخلف كل دين متراكم هناك مواطن يحاول تجاوز ضغوط الحياة بأقل الخسائر.
أصبحت البطالة والديون وارتفاع تكاليف المعيشة من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم، ليس فقط بسبب آثارها الاقتصادية، بل بسبب تأثيرها المباشر على الاستقرار الاجتماعي والنفسي للأفراد فالمواطن عندما يجد نفسه أمام دخل محدود ومتطلبات متزايدة وفرص عمل أقل، يبدأ بطرح أسئلة مشروعة حول أسباب هذه الظروف وحول دور الجهات المسؤولة في إيجاد حلول عملية تخفف من حجم الأعباء.
تُعد البطالة من أكثر الملفات حساسية، خصوصًا عندما ترتبط بفئة الشباب الذين يمثلون مستقبل أي مجتمع فالشاب الذي يقضي سنوات في التعليم والتدريب ثم يجد صعوبة في الوصول إلى فرصة عمل مناسبة لا يواجه مشكلة مالية فقط، بل يواجه شعورًا بأن الطريق أمامه أصبح أكثر صعوبة كما أن تأخر دخول الشباب إلى سوق العمل ينعكس على قدرتهم على الاستقلال وتكوين الأسر والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد.
ولا يمكن اختزال مشكلة البطالة في قلة الوظائف فقط، فهي ترتبط أيضًا بمدى توافق التعليم مع احتياجات سوق العمل، وبقدرة الاقتصاد على خلق فرص جديدة، وبمدى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي أصبحت في كثير من الدول مصدرًا مهمًا للتوظيف لذلك فإن معالجة البطالة تحتاج إلى رؤية طويلة المدى تتجاوز الحلول المؤقتة، وتقوم على الاستثمار في الإنسان، وتطوير المهارات، وتشجيع القطاعات الإنتاجية القادرة على توفير فرص حقيقية.
وفي جانب آخر، أصبحت الديون بالنسبة لبعض الأسر وسيلة للتعامل مع ضغوط الحياة اليومية، وليس مجرد خيار لتحسين مستوى المعيشة فعندما ترتفع تكاليف السكن والغذاء والتعليم والخدمات، بينما لا يواكب الدخل هذه الارتفاعات، يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى الاقتراض لتغطية احتياجات أساسية أو الحفاظ على استقرار أسرته.
إن تراكم الديون لا يؤثر فقط على الوضع المالي للأفراد، بل يترك آثارًا أوسع على المجتمع والاقتصاد فالمواطن الذي يعيش تحت ضغط الأقساط والالتزامات المالية يصبح أقل قدرة على الادخار أو الاستثمار، وقد تتراجع قدرته على مواجهة أي ظروف طارئة لذلك فإن معالجة هذه المشكلة لا تكون فقط من خلال تنظيم الاقتراض، بل تبدأ من تحسين القدرة الشرائية للمواطن وخلق بيئة اقتصادية تساعد الأسر على الاعتماد على دخل مستقر.
أما ارتفاع الأسعار، فهو الملف الذي يشعر به المواطن بشكل مباشر كل يوم فحتى لو كانت هناك أسباب خارجية تؤثر في الأسواق العالمية، فإن المواطن في النهاية هو من يواجه ارتفاع فاتورة الغذاء والطاقة والنقل والخدمات ومع استمرار ارتفاع التكاليف، تصبح الأسر أمام خيارات صعبة تتعلق بتقليل بعض المصروفات أو تأجيل بعض الاحتياجات أو البحث عن مصادر دخل إضافية.
ومن هنا تأتي أهمية دور الحكومة في مراقبة الأسواق، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتحسين السياسات الاقتصادية التي تساعد على تحقيق توازن بين متطلبات النمو وحماية المواطنين من الآثار السلبية للأزمات فالحكومة لا تستطيع التحكم بكل الظروف العالمية، لكنها تستطيع وضع خطط تقلل من تأثيرها على الفئات الأكثر تأثرًا.
الحديث عن المسؤولية في هذه القضايا لا يعني توجيه الاتهام إلى جهة معينة، فالأزمات الاقتصادية غالبًا ما تكون نتيجة عوامل متعددة ومتداخلة، لكن المسؤولية تعني الاعتراف بالمشكلات والعمل على معالجتها بوضوح وشفافية فالمواطن لا يبحث عن تبريرات بقدر ما يبحث عن حلول يشعر من خلالها بأن معاناته اليومية محل اهتمام.
كما أن مواجهة هذه التحديات مسؤولية مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والمجتمع فالقطاع الخاص له دور في توفير فرص العمل، والمؤسسات التعليمية مطالبة بتطوير مهارات الشباب، والمجتمع بحاجة إلى تعزيز ثقافة الإنتاج والمبادرة ولكن تبقى الحكومة الجهة الأساسية القادرة على وضع السياسات العامة التي تحدد اتجاه الاقتصاد وتؤثر بشكل مباشر في حياة المواطنين.
إن نجاح أي سياسة اقتصادية لا يُقاس فقط بحجم المشاريع أو المؤشرات المالية، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس. فالمواطن يريد أن يرى أثر القرارات في فرصة عمل متاحة، وفي قدرة أسرته على تلبية احتياجاتها، وفي شعوره بأن المستقبل يحمل قدرًا أكبر من الاستقرار.
في النهاية، عندما يدفع المواطن ثمن الأزمات بشكل يومي، يصبح السؤال عن المسؤولية حقًا مشروعًا وليس اتهامًا فالمطلوب ليس البحث عن طرف لتحميله كل الأخطاء، بل بناء نقاش جاد حول أسباب التحديات والحلول الممكنة.لأن الاقتصاد في جوهره ليس مجرد أرقام وبيانات، بل هو حياة الناس ومستقبلهم وحقهم في العيش بكرامة واستقرار.
الكاتب من الأردن