” وحدة 8200 ولا وحدة 8200 حجة؟! “… عندما يتحول الأردني من أصل فلسطيني إلى متهمٍ حتى تثبت براءته!
محي الدين غنيم …..
ما هذا الذي يحدث على صفحات التواصل الاجتماعي؟! وإلى أين يريد البعض أن يأخذنا بهذه اللغة المريضة التي تقوم على التشكيك بالأردني من أصل فلسطيني، وكأن المواطنة أصبحت بحاجة إلى شهادة حسن سيرة ونسب تُعرض على أصحاب الوصاية الوهمية؟
والأغرب أن كلما انتقدنا هذه الأصوات، خرج علينا من يقول: «هؤلاء من وحدة 8200»!
يا جماعة الخير… ليس كل من يسيء إلى الوحدة الوطنية عميلاً، وليس كل من يكتب منشوراً أحمقاً يعمل في جهاز استخباري! هناك أناس معروفون للجميع، يعيشون بيننا، ويتحدثون باسم الأردن، وهم مسؤولون عن كلامهم وأفعالهم. فلا تجعلوا «8200» شماعة نعلّق عليها كل إساءة وكل خطاب كراهية.
المشكلة ليست في رقم الوحدة ولا في أجهزة المخابرات الإسرائيلية؛ المشكلة في العقلية التي تسمح لنفسها بتقسيم الأردنيين إلى أصلي وفرعي، وهذا ابن البلد وذاك عليه علامات استفهام!
الأردني من أصل فلسطيني ليس ضيفاً على وطنه، وليس مواطناً من الدرجة الثانية، ولا يحتاج إلى امتحان في الوطنية كل صباح. هو أردني بالقانون والانتماء والعيش والمصير، ومن حقه أن يشعر بالأمان والكرامة دون أن يأتي أحد ليضعه في قفص الاتهام بسبب أصله.
وما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي أصبح في كثير من الأحيان شيئاً مقززاً ومقرفاً إلى درجة لا تطاق؛ شتائم، تخوين، تشكيك، تحريض، ونبش في الهوية والأصول، وكأننا لا نعيش في وطن واحد، ولا تجمعنا دولة واحدة، ولا يواجهنا مستقبل واحد.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة: لماذا هذا الصمت؟
لماذا يُترك أصحاب خطاب الفتنة يعبثون بعقول الناس؟ لماذا لا نقف جميعاً، دولةً ومجتمعاً وإعلاماً ومؤسسات، أمام كل من يحاول تحويل الاختلاف في الأصل أو العائلة أو المنطقة إلى سلاح لتمزيق المجتمع؟
نحن لا نتحدث عن اختلاف في الرأي السياسي؛ فهذا حق مشروع. نحن نتحدث عن خطاب يمكن أن يتحول، إذا تُرك دون رادع، إلى شرارة اجتماعية لا يعرف أحد أين تنتهي.
والأردن ليس بحاجة إلى مزيد من الحرائق. المنطقة من حولنا تغلي، والاقتصاد يضغط على الناس، والقلق يملأ النفوس، فلماذا نضيف إلى كل ذلك حرباً داخلية على الهوية والانتماء؟
أيها السادة…
الوطن لا يُبنى بالتشكيك، ولا تُحفظ الدولة بالعنصرية، ولا تُصان الهوية بإهانة مواطن أردني.
ومن يعتقد أن بإمكانه حماية الأردن عبر الإساءة إلى فئة من أبنائه، فهو لا يحمي الأردن؛ بل يقدم خدمة مجانية لكل من يريد لهذا البلد أن ينقسم على نفسه.
فلنتوقف عن توزيع صكوك الوطنية.
فالأردني الحقيقي ليس من يرفع صوته أكثر، ولا من يوزع الاتهامات بالجملة، ولا من يفتش في أصول الناس، وإنما من يحترم وطنه ويحترم أبناء وطنه ويحافظ على وحدته.
أما أولئك الذين جعلوا من وسائل التواصل الاجتماعي منبراً للفتنة والتخوين، فنقول لهم بسخرية مرة:
خففوا علينا حكاية «8200»… فبعض السموم لا تحتاج إلى وحدة استخبارات، يكفيها هاتف محمول وحساب على فيسبوك وقليل من الجهل!
لكن الأخطر من هؤلاء جميعاً هو أن نصمت.
فالصمت أمام خطاب الكراهية ليس حياداً… وقد يكون، في لحظة ما، شراكة في الجريمة بحق الوطن.
الأردن أكبر منكم، وأكبر من خلافاتكم، وأكبر من أوهامكم.
نريد أردناً واحداً… لا أردناً يُفتَّش فيه عن أصل المواطن قبل أن يُسأل عن أخلاقه وانتمائه.
فإما أن ننتصر للوطن، وإما أن نتركه فريسة لأصحاب الفتن… والتاريخ لا يرحم من أشعل النار ثم ادعى أنه كان يبحث عن الدفء.
الكاتب من الأردن