فادي السمردلي: من القبة إلى المواطن | أسئلة النواب.. أين تذهب الإجابات؟
بقلم فادي زواد السمردلي …….
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
تحت القبة، تُطرح الأسئلة، وتُطلب الإجابات، وتفتح الملفات ولكن بعد انتهاء الجلسة وصدور الرد الحكومي، يبدأ السؤال الأهم ماذا حدث بعد ذلك؟
السؤال النيابي ليس غاية بحد ذاته، ولا يفترض أن يكون مجرد تسجيل موقف أو مادة لخبر عابر فهو إحدى أدوات النائب في الرقابة على أداء الحكومة، ومن خلاله يستطيع أن يطلب معلومات وتوضيحات حول قضية عامة، وأن يضع ملفاً ما تحت الضوء لكن قيمة السؤال الحقيقية لا تظهر لحظة طرحه، بل في قدرته على الوصول إلى نتيجة.
فقد يكون السؤال دقيقاً، والإجابة واضحة، والملف مهماً، ومع ذلك لا يتغير شيء وقد يكشف سؤال واحد خللاً يستدعي معالجة أو قراراً أو تصحيحاً وبين الحالتين تكمن المسافة التي يجب أن تراقبها الصحافة، وأن يهتم بها المواطن.
المواطن لا يعنيه فقط أن نائبه وجه سؤالاً إلى وزير فما يعنيه أن يعرف ماذا سأل؟ لماذا سأل؟ ماذا كانت الإجابة؟ وهل انتهت القضية عند هذا الحد؟
وهنا تبدأ الرقابة الحقيقية.
إذا كان السؤال يتعلق بخدمة متعثرة، فالمطلوب ألا تنتهي القصة عند معرفة سبب التعثر، بل أن نعرف هل عولجت المشكلة وإذا كان السؤال عن مشروع متوقف، فالمهم ليس فقط معرفة أسباب التوقف، وإنما هل استؤنف المشروع؟ وإذا كان السؤال عن خلل إداري أو مالي، فالسؤال الأهم هل اتخذت الجهة المعنية إجراءً؟
هذه هي اللحظة التي يتحول فيها السؤال من أداة برلمانية إلى أثر ملموس.
ولا يعني ذلك أن كل سؤال يجب أن ينتهي بقرار حكومي أو تغيير فوري فبعض الأسئلة هدفها الحصول على معلومة، وبعضها يكشف واقعاً يحتاج إلى دراسة، وبعض الملفات تحتاج إلى أدوات رقابية أوسع ولكن ما يجب ألا يحدث هو أن يصبح السؤال محطة أخيرة، وأن تختفي الإجابة بمجرد نشرها.
فالرقابة ليست كثرة الأسئلة، كما أن قوة النائب لا تقاس بعدد ما يقدمه من أسئلة واستجوابات فقط فالنائب الفاعل هو الذي يعرف متى يسأل، وماذا يسأل، وماذا يفعل بعد أن تصله الإجابة.
وهنا أيضاً تظهر مسؤولية الحكومة فالإجابة النيابية ليست إجراءً شكلياً للتخلص من سؤال، وإنما جزء من العلاقة الدستورية بين السلطتين وكلما كانت الإجابة دقيقة وواضحة ومدعومة بالمعلومات، أصبحت الرقابة أكثر فاعلية، وأصبح مجلس النواب أقدر على تقييم أداء الحكومة.
لكن المواطن يبقى الحلقة الأهم في هذه المعادلة.
لأن السؤال الذي يخص مدرسة، أو مستشفى، أو طريقاً، أو خدمة حكومية، أو مشروعاً متوقفاً، لا ينبغي أن يبقى حبيس الأوراق الرسمية المواطن يريد أن يرى النتيجة على الأرض، يريد أن يعرف إن كان السؤال الذي طرح باسمه قد أحدث فرقاً، أم أنه انتهى عند جواب مكتوب.
ومن هنا، ربما نحتاج إلى تغيير طريقة النظر إلى العمل النيابي. بدلاً من الاحتفاء بعدد الأسئلة التي قدمها النواب، يجب أن نسأل عن نوعيتها ونتائجها وكم سؤالاً أدى إلى معالجة؟ كم ملفاً استدعى متابعة؟ كم قضية انتقلت من سؤال إلى نقاش أوسع؟ وكم سؤالاً بقي بلا أثر؟
هذه ليست دعوة إلى التقليل من قيمة السؤال النيابي، بل إلى رفع سقف التوقعات منه.
فالرقابة الجادة تبدأ بالسؤال، لكنها لا تنتهي عند الإجابة.
وقد يكون السؤال الأقوى أحياناً ليس ماذا أجابت الحكومة؟ وإنما: ماذا فعل النائب بعد أن سمع الإجابة؟
هنا تحديداً يمكن قياس الفرق بين نائب يمارس دوره ونائب يكتفي بممارسة الأداة.
وفي «من القبة إلى المواطن»، لن نتعامل مع الأسئلة النيابية باعتبارها أرقاماً في البيانات، ولن نكتفي بعناوين من نوع «النائب يسأل والوزير يجيب». سنحاول أن نتتبع القصة كاملة ما السؤال؟ ما الإجابة؟ ما المتابعة؟ وما النتيجة؟
لأن المواطن لا يحتاج إلى سؤال جديد كل يوم بقدر حاجته إلى إجابة تُترجم إلى فعل.
وفي النهاية، السؤال النيابي ليس نهاية القصة.
إنه بدايتها.
أما الإجابة الحقيقية، فلا تُقاس بما كُتب على الورق، بل بما تغيّر على الأرض.
الكاتب من الأردن