السبت 14-1-2017
القدس وخطر التقسيم
بقلم: البروفيسور آريه الداد
في أواخر القرن التاسع عشر أجرى العالم الروسي ايفان بافلوف سلسلة من التجارب على الكلاب. فقد رأى أن الكلاب التي رباها تبدأ بانزال الريق في كل مرة يقرب منها الغذاء. بعد ذلك كان يرن الجرس قبل وقت قصير من وصول الطعام، ورأى بانه بعد عدة مرات كان يكفي رن الجرس كي تبدأ الكلاب بانزال ريقها. وهذا هو “رد الفعل الشرطي – البافلوفي”.
يوجد بيننا أناس كل عملية في القدس تبعث لديهم نوعا من رد الفعل كهذا. توجد عملية – فيجب تقسيم القدس. وامتداحا لكلاب بافلوف ينبغي أن نذكر بانهم لم يكونوا واعين لافعالهم ولم يكونوا متهكمين.
القدس هامة للاسلام اساسا في الجانب السياسي. فكما هو معروف، فان المدينة لا تذكر في القرآن على الاطلاق. وحتى المسلمين الذين يصلون في جبل البيت (الحرم) يتجهون نحو مكة. القدس لم تكن أبدا حتى عاصمة محافظة في احدى الامبراطوريات الاسلامية التي حكمت هنا. وعندما احتلها المسلمون في القرن السابع، بنوا فيها مسجدا على بقايا المقدس في جبل البيت، كي يرثوا اليهودية سياسيا وايديولوجيا. مئات السنين كانت مهملة ومنسية. وفقط عندما وصل الصليبيون لتحرير “القبر المقدس″، عادت وأصبحت هامة في نظر المسلمين ايضا، وقاتلوا في سبيلها. ومرة أخرى اهملت ونسيت – حتى عودة صهيون في عصرنا. ولما كانت في مركز وعي عائدي صهيون، تذكرها العرب ايضا، وبقيادة أمين الحسيني خلقوا ايضا “مقدسات” جديدة.
ليس فقط مكان مقدسنا ارادوا عزوه لهم، بل والكوتل (المبكى)، إذ هناك، كما هو معروف، ربط محمد بهيمته المكنفة، حين طار في الحلم الى “المسجد الاقصى” – الذي حسب معتقدهم كان في جبل البيت. وهم يدعون بان المسجد هام في نظرهم اكثر من كل شيء. ومليار مسلم مستعدون لان يسيروا الى القدس لتحريرها. وحتى اذا لم ينجحوا في تحرير المدينة فعلى الاقل سينجحون في قتل بعض اليهود وتوزيع السكاكر بعد ذلك.
في وثيقة استر يوصف طول شجرة الشنق الكبرى الذي أعدها هامان لمردخاي: 50 أمَة، أي نحو 25 مترا. نهاية القصة معروفة. هذه هي الشجرة التي شنق عليها هو وابناؤه. وفي موضوعنا – كلما كانت الشجرة التي تسلق عليها العرب بتضخيم مصطنع لمركزية القدس في معتقدهم أعلى، سيصعب عليهم النزول عنها، ونهايتهم أن يتحطموا في السقوط منها أو يشنقوا عليها. مصيبة كانت بانتظارنا، لو كان العرب مستعدين “للتنازل” عن القدس و “الاكتفاء” بدولة فلسطينية في يهودا وفي السامرة. لكانوا وجدوا منذ زمن بعيد زعيما اسرائيليا غبيا بما يكفي أو ضعيفا بما يكفي ليوافق على التوقيع معهم على مثل هذا الاتفاق. ومن اللحظة التي كانت ستقوم فيها دولة كهذه في قلب البلاد، سيكون ممكنا البدء بالعد التنازلي للزمن المتبقي على وجود دولة اسرائيل. اصرارهم على القدس كعاصمة لدولتهم سينقذنا.
المهم “ان ننفصل”
كل من يريد أن يبدو عندنا كـ “خبير” ملزم بان يدخل في كل جملة تعبير “جبل البيت متفجر جدا” وأن يشرح بانه بدون “القدس عاصمة الدولة الفلسطينية” لا تحتمل أي تسوية سلام. بسبب هذه الادعاءات تنازلت اسرائيل عمليا عن السيادة في جبل البيت ووافقت على تدخل الدول الاجنبية في القدس. هذا ايضا هو تفسير التخوف المشوه لدى الكثيرين منا من نقل السفارة الامريكية الى المدينة. اذا كان هذا سيغضب العرب، ويؤدي الى اشتعال في كل الشرق الاوسط، فلعله من الافضل حتى الطلب من ترامب الا ينقل السفارة. فلماذا نحتاج المشاكل، يسأل يهود الغيتو. لماذا نغضب المسلمين. ما الضير لنا في بقاء الحال على ما هو؟
الهاذون من أوساط اليسار الاسرائيلي يعتقدون أن هذا سيجلب لهم السلام. حسنا. لقد سبق أن كتب شلومو الملك، انه لا يمكنك أن تنفض الغباء عن المرء بالعصا. ولكن يوجد بينهم أيضا حكماء يعرفون جيدا باننا لن نحظى بالسلام. فلا يوجد حقا من يمكن التوقيع معه على اتفاق سلام، ولهذا فهم يؤيدون الخطوات احادية الجانب. مثلما في لبنان. مثلما في غزة. وهم يؤمنون باننا اذا انسحبنا من يهودا والسامرة ومن نصف القدس – سيحبنا العالم حبا جما. مكانتنا الدولة ستتحسن. وسنتمكن من الثراء أكثر. وهم أنفسهم سيحظون بالاحترام وبالشهرة.
وعليه، فانهم لم يعودوا يسوقون هذه المصيبة كـ “السلام مقابل الارض” بل كمصلحة عليا لدولة اسرائيل، “للانفصال عن الفلسطينيين”، للحفاظ على اسرائيل يهودية وديمقراطية. ومن أجل التغلب على معارضة أغلبية الشعب على مثل هذه الخطوات التضييعية فانهم يسوقونها كخطوات امنية ضرورية. هكذا سوق حاييم رامون “جدار الفصل” في ذروة الانتفاضة الثانية. واليوم يروي لنا بان “الجدار أنقذ حياة الكثيرين”. وهو واثق بان الجميع أغبياء. فاذا كان هناك مخرب انتحاري لا ينجح في عبور الجدار، فان بوسعه أن يتفجر في معاليه ادوميم او في أريئيل. ولما كانت العمليات شرقي الجدار قلت مثل تلك التي في غربي الجدار، واضح أن ليس الجدار هو الذي منعها بل المخابرات والجيش.
والان، يسعى الى أن يبيع لنا هكذا تقسيم القدس. بحلو اللسان ينقض على كل عملية في القدس، وعلى الاخيرة مجددا هذا الاسبوع. أترون؟ يقول، كونكم لم ترغبوا في الانفصال عن “القرى العربية التي ضمت الى القدس في 1967″، جاءت العملية في متنزه ارمون هنتسيف وأثبتت باننا ملزمون بعمل ذلك فورا. ليس “تقسيم القدس″ لا سمح الله. بحكمته يفهم بان معظم الجمهور يعارض هذا. فقط “الانفصال عن القرى العربية”. النصف الشرقي من القدس يسميه “قرى” ويأمل بان يكون الاسرائيليون أغبياء بما يكفي وكذا اولئك الذين يعارضون تقسيم المدينة سيوافقون على “الانفصال عن القرى”. ومن سيدخل الى الاحياء العربي في القدس إذا ما خرجت منها اسرائيل؟ ومن سيحكمها؟ حماس؟ داعش؟ ماذا يهمه؟ المهم “ان ننفصل”. أنتم لا تتعرون، بعد. ولكنكم تنزعون كل الملابس.
ولكن القدس ستنقذنا من أيدي العرب اعدائنا، مثلم أنقذتنا من أيدي “أصدقاءنا” أوباما وكيري وامثالهم، وهي ستنقذنا ايضا من ايدي متذاكي اليسار الذين يسعون، بسلاسة اللسان وبلغة الخداع، ان يجتثوا من ايدي شعب اسرائيل صهيون. قلب الصهيونية. قلب شعب اسرائيل. وتسليم السيادة عليها الى ايدي العرب.
وعليه، في كل مرة يهدد فيها زعيم عربي بان نقل السفارة الى القدس سيشعل النار في كل العالم، حيوه. كل مرة يعود فيها زعيم امريكي فشل في كل العالم في تطبيق سياسته ليزايد علينا، في طريقه الى الخروج، للتنازل عن كل الغالي والمقدس لنا – لوحوا له بتحية الوداع والى غير لقاء. ولكن في كل مرة يتذاكى فيها يساري عند سقوط ضحايا اسرائيليين ويحاول استغلال موتهم لتقسيم القدس – نددوا به. اولئك الذين جلبوا علينا ضحايا اوسلو وفك الارتباط لا يترددون في أن يجلبوا عليها بحر دماء جديد في القدس. ولكن محبي المدينة أكثر من كارهيها. والولاء للقدس سيتغلب على خيانتها.
معاريف
