فادي السمردلي يكتب: الاشتباك مع الرأي العام في مشروع قانون الضمان الاجتماعي ضرورة لا ترف
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في اللحظة التي يُطرح فيها مشروع قانون يمس حياة الناس اليومية، مثل مشروع قانون الضمان الاجتماعي، لا يعود النقاش حوله مجرد جدل قانوني أو إداري، بل يتحول إلى قضية مجتمعية بامتياز فالضمان الاجتماعي ليس نصوصًا جامدة تُكتب في أوراق رسمية، بل هو شبكة أمان تمس العامل والمتقاعد ورب الأسرة والشاب المقبل على العمل ومن هنا، فإن التعامل مع مشروع قانون الضمان لا يمكن أن يتم بمنطق الإعلان من طرف واحد، بل بمنطق الاشتباك الواعي مع الرأي العام، لأن الناس هم المعنيون أولًا وأخيرًا بنتائجه.
لقد تغيّر شكل العلاقة بين المؤسسات والجمهور في السنوات الأخيرة فلم يعد المواطن متلقيًا صامتًا للقرارات، بل أصبح شريكًا في النقاش، يمتلك أدوات للتعبير والتأثير، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعندما يظهر مشروع قانون الضمان إلى العلن، فإن أول ما يحدث هو موجة من الأسئلة والقلق والتفسيرات، بعضها صحيح وبعضها مبالغ فيه ففي هذه اللحظة تحديدًا، يصبح الصمت أو التأخر في التوضيح أخطر من القرار نفسه، لأن الفراغ المعلوماتي يولد الشائعات، والشائعات تولد الخوف، والخوف يضعف الثقة.
إن مشروع قانون الضمان، بحكم طبيعته، يتعامل مع أموال الناس ومستقبلهم الوظيفي ومرحلة تقاعدهم، وهذه قضايا حساسة للغاية لذلك، فإن أي تعديل أو اقتراح جديد يحتاج إلى شرح بلغة يفهمها الناس، لا بلغة قانونية معقدة. فالمواطن لا يسأل عن المادة القانونية بقدر ما يسأل هل سيؤثر هذا التعديل على راتبي؟ هل سيتغير سن التقاعد؟ هل ستزداد الاقتطاعات؟ هذه أسئلة بسيطة لكنها عميقة، وتعكس قلقًا حقيقيًا على الاستقرار الشخصي والأسري.
الاشتباك مع الرأي العام في حالة مشروع قانون الضمان يعني الدخول في حوار مفتوح مع الناس، وليس الاكتفاء بنشر بيان رسمي أو مؤتمر صحفي واحد يعني أن تستمع المؤسسة إلى المخاوف قبل أن ترد عليها، وأن تعترف بوجود قلق مشروع بدل التقليل من أهميته فحين يشعر المواطن أن صوته مسموع، حتى لو لم يتحقق مطلبه بالكامل، فإنه يكون أكثر استعدادًا لتفهم القرار أما عندما يشعر أن القرار فُرض عليه دون نقاش، فإن الرفض يصبح رد فعل طبيعيًا.
ومن الأخطاء الشائعة في مثل هذه القضايا الاعتقاد بأن المعلومات الفنية وحدها كافية لإقناع الناس والحقيقة أن الثقة لا تُبنى بالأرقام فقط، بل بالشفافية والاستمرارية في التواصل فإذا أعلنت الجهة المسؤولة عن مشروع قانون الضمان تفاصيل التعديلات، ثم توقفت عن التفاعل مع تساؤلات الجمهور، فإن الرسالة التي تصل للناس هي أن الحوار كان شكليًا أما إذا استمر التواصل عبر لقاءات، وشرح مبسط، وردود واضحة على الانتقادات، فإن ذلك يعزز الشعور بأن المؤسسة شريك في الحل وليس طرفًا في الصراع.
كما أن الاشتباك مع الرأي العام لا يعني الدفاع المستمر عن القرار، بل يعني الاستعداد لتعديله إذا ظهرت ملاحظات منطقية فالقوانين ليست نصوصًا مقدسة، بل أدوات لتنظيم الحياة، ويمكن تطويرها عندما تظهر آثار غير متوقعة وفي حالة مشروع قانون الضمان، قد يقدم الخبراء أو العمال أو النقابات ملاحظات مهمة نابعة من تجربتهم اليومية، وهذه الملاحظات قد تكون أكثر واقعية من التحليلات النظرية والاستماع إليها لا يُضعف المؤسسة، بل يقويها ويجعل القرار أكثر نضجًا.
في النهاية، يمكن القول إن مشروع قانون الضمان يمثل اختبارًا حقيقيًا لطبيعة العلاقة بين المؤسسة والمجتمع فإذا تم التعامل معه بمنطق الانغلاق، فإن الجدل سيتحول إلى أزمة ثقة أما إذا تم التعامل معه بمنطق الاشتباك الإيجابي مع الرأي العام، عبر الحوار والشرح والاستماع، فإن النقاش سيتحول إلى فرصة لتعزيز الثقة وبناء فهم مشترك وفي زمن تتسارع فيه المعلومات وتتسع فيه مساحة النقاش العام، لم يعد الاشتباك مع الرأي العام خيارًا إضافيًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا لنجاح أي قانون يمس حياة الناس.
الكاتب من الأردن