في ضيافة سيدة تفاصيل العشق
للمرّة الثانية أقرر أن أختتم سنتي في لبنان، و أستقبل سنتي الجديدة في حضن الحضارة الفينيقية، في بيت جميل من بيوت بيبلوس الراقية، على شرفة واسعة تطل على التّاريخ ومعجزات الأبجدية، وتركة ضخمة من حضارت شعوب البحر الأبيض المتوسط التي التقت هنا على مدى عصور.
اخترت لبنان واختارتني بيبلوس… ويبدو أن الحب لا يطرق باب قلبي إلا بأصابع مدن متميزة، حتى أصبحت المدن تشغل كل أمكنة العشق في ذاتي. الرّجل مؤجل أما أماكن الحب فقد استحوذت على قلبي.
الصداقة التي أطلق عليها اسم «الوطن» أهدتني نهاية سنة باذخة، في بيت ينبض حبا في كل جنباته، في بيبلوس سيدة الأبجدية والحضارات. في قصر الحب هذا، اكتشفت أن الفرح هو أن نغزل كل شيء بأيدينا و محبتنا، أن نختار أثاثنا بما يناسب مشاعرنا و أهواءنا، أن نؤثث الأمكنة بما تشتهيه النفس لنعيش تلك الطمأنينة التي نفتقدها أحيانا في بيوتنا.
في بيت الحب كما أحببت أن أسميه، وجدت ثقافة راقية، وفنا في الكراسي والستائر والنوافذ والسقوف العالية والثريات والأسرة والشراشف والوسائد. على كل قطعة أثاث هناك عشق مبثوث كالأزهار البرية في حقول الربيع. كل شيء حولي جميل بما يكفي لأشعر بأني أميرة نائمة على غيمة، ينتابها حلم وردي يشبه الأوصاف التي توصف بها الجنّة. هنا حيث أقيم اليوم وأكتب آخر مقالاتي لسنة الـ2016 ، أعيش بدهشة من سقط من طائرة في قلب قصر فرساي. عراقة المكان تنبعث كرائحة فريدة من كل شيء فيه. وتختلف تماما عن عراقة القصور القديمة التي زرتها في بعض أصقاع العالم، ودهشت بها وارتميت في أحضانها.
تفاصيل هذا القصر الحميم، باهظة في سحرها كتفاصيل متحف. معتقة كتفاصيل أسطورة ملتصقة بحفريات ضاربة في أعماق التاريح. حجم التحف فيه يفوق قدرة قلبي الصغير على التحمل. أنا في قلب متحف استثنائي يحضنني كزائرة استثنائية في نهاية العام.
ثمة تحف عمرها آلاف السنين. ثمة مقتنيات جمعت بعناية من بلاد بعيدة واتخذت من هذا القصر مستقرًّا لها.
أنا محظوظة اليوم لأرى كل هذه التحف أمامي. محظوظة جدا لأن الأقدار رسمت لي هذه الطريق من البحرين إلى القاهرة إلى دبي إلى عواصم كثيرة من العالم، حتى بلغت هذا القصر في قلب متاهة الحياة، التي تعج بالفوضى والضجيج.
هنا حول هذا القصر حديقة مشغولة بعناية فائقة أيضا، وتضم أشهى الخضراوات العضوية والأشجار الجميلة.. وبين السنديان العتيق وأشجار الليمون وجدتني عاشقة من جديد، فالأرض لمن يخدمها، وليس لمن يملكها ويسيجها حتى لا يدخلها الأغراب.
الأرض إن لم تكن مزينة بباقات الحب والإخلاص لها ما جدوى امتلاكها؟ هكذا شعرت وأنا أخطو بين جنبات هذا البيت وحديقته وبستانه.
لا.. ليس فندقا بخمسة نجوم.. فهو أفخم من عشرة نجوم. ليس قصرا ولا متحفا، إنه بيت الحب، بيت مشغول بالحب والدنتيل، وصاحبته تصر على أنه بيت للحب. وأنا أصر على أنه قصيدة حب لا تنتهي، وجزء من الجنة التي عجزت كل لغات العالم عن وصفها ووصف ذخائرها. هل تعرفون أول همسة سمعتها في حديقة هذا البيت؟
«من قواعد الحب الأولى عنصر الاهتمام»، هكذا أفهم الحب وهكذا تفهمه سيدة التفاصيل الجميلة التي استضافتني في بيت الحب.
وقبل أن أحب الآخر عليّ أن أحب نفسي، لهذا اعتذرت في حضرة الحب خلال عطلتي الشتوية هذه من نفسي لأني أتعبتها، وضغطت عليها فوق ما تحملته.
وأعتذر لكم لأني غبت في موعدي المحدد لكم أنتم قرائي، ذلك أني بين مطحنة العمل التلفزيوني وأجندتي الثقافية الممتلئة نسيت «بروين» الإنسانة التي تحتاج لقسط من الرّاحة لتأخذ أنفاسها.. أعتذر لكم قرائي الأحباء وجمهوري الحبيب، فاليوم وجدت بروين حديقة من الليمون تحضنها، وسنديانة تحكي لها حكايات لم تسمعها من قبل، وبوابة تفتح على العالم الآخر، وعيدا مليئا بالشموع وصديقة جمعت في بيتها ملائكة الرحمن من أجل راحتي.
لا مستشفيات بعد اليوم.. ولا سقوط من شدة الإرهاق ولا عثرات بسبب تراكم الأشياء الواجب فعلها. الحياة ليست حكما أبديا بالأعمال الشاقة.
لقد تعلمت خلال «إجازتي العشقية» هذه أن الحياة كما قال عبد الحليم ذات يوم: «ضحك ولعب وجد وحب، عش أيامك.. عش لياليك».
وقد انتبهت إلى أن حياتي على مدى سبعة عشر عاما كانت ركضا ماراثونيا خلف مشروعي الثقافي ونضالي من أجل إنجاح هذا المشروع. وتسلّقت السُّلَّم درجة درجة، لأني في قناعاتي أن من يريد أن يتخطى بعض الدرجات عليه أن يتوقع السقوط في أي لحظة. جمعت تركيزي وأحلامي وطموحي وقوتي ووضعتها صوب عيني ولم أتوقف حتى في أقسى لحظات تعبي. أمّا مؤخرا فقد شعرت فعلا بأني منهكة، وقد أخذ العمل والاستغراق في بعض الالتزامات كل وقتي حتى أني كنت أنسى الأكل وشرب الماء.
فقدت الكثير من وزني لا بسبب اتباع حمية، بل لنسياني أن آكل. بلغت مرحلة اليباس وسقطت مثل ورقة خريفية حين نسيت أن أشرب ما يكفيني من الماء.. هذه ليست شكوى، بل رسالة لمن تخدعهم الحياة بوهم الاندفاع الزائد في مشاريعهم. في مطبخ سيدة الحب والتفاصيل الرومانسية الفريدة اكتشفت متعة أن أراقب الأكل يطبخ بفن. وطرق ترتيب طاولة تملأ المخيلة بالأفكار الخلابة. شممت في حديقتها روائح التراب تحت زخات المطر، ورائحة المزروعات بأنواعها، واستمتعت بقطاف بعضها.. مدركة تماما الفرح العارم الذي يعيشه من يحصد ما زرع.
من تحت سنديانة هذا البيت التحفة، أستعيد ذكريات قديمة عشتها تحت جميزة القاهرة، و أرى شريط حياتي البهيج، وأقداري بحلوها ومرها، ومعابر طريق طويل قطعته وأنا أحارب بقلمي وأحضاني المفتوحة لكل شيء جميل.
لست نادمة على ما مضى من الهنّات التي كسرتني.. لست نادمة حتى على أخطاء ارتكبتها في حق «بروين»، فقد كنت حريصة دوما على أن لا أجرح غيري، وأن خدشت نفسي بأظافري، لكنّي في وقفة آخر السنة هذه المرة وأنا محاطة بكل هذا الحب والجمال، قررت أن أزرع بذورا جديدة في روحي وأنتظرها غفوة شتوية قصيرة أن تعطي شتلات قوية للربيع المقبل.
يسألونني: هل أنا عاشقة؟
وأجيب أني عاشقة مجنونة للحياة، ولو أني أملك عصا سحرية لجعلت العالم كله جميلا، لمنحت لكل متشرد بيتا، لكل يتيم أما وأبا، لكل محتاج الكثير مما يريد، لكل مريض الكثير من الصحة، ولأفرغت العالم من كل الأسلحة وزرعت بذرة حب في قلب كل مقاتل، وغيرت وجه العالم إلى تحفة تشبه بيت الحب في بيبلوس.
كل عام و أنتم بألف خير جميعا.
٭ شاعرة و إعلامية من البحرين
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
