قصص قصيرة جدًا.. محمد توفيق السـهلي

محمد توفيق السـهلي
الرّمضاء ونارُهم
صرَخاتها عند الشاطىء تستغيث…أوشكَت على الغرق… استيقظ أصحاب القصر المنيف من غفوتهم مذعورين… توجّهوا صوبها فتهلّل وجهها وقالت: هاهم قادمون.. أمسكوها من يديها ورجليها وألقَوْها في اليمّ .
…………………………………………………………………
الصّمت
فرضوا عليه الصمت سنين.. كلامهم علْقم.. تحمّل آلام الاستماع إليهم.. وعندما حاول الكلام، مزّقوه.
…………………………………………………………………
الصّندل
مضى حافياً برفقة أبيه.. وفي الطريق خارت قوى الصبي.. أراد التوقف.. حثّه أبوه على متابعة السير.. ووجد الصبي نفسه في قلب سوق ( الصرامي ) .. ابتاع له أبوه صندلاً بنيّاً.. فرح الصبي.. دسّ قدميه في فردتي الصندل.. عادا إلى منزلهما مشياً.. وصل الصبي مهدود الحَيْل.. خرج من المنزل واندلق في الحارة مسرعاً.. لعب بالطابة المصنوعة من الخرق البالية.. انقطعت إحدى فردتي الصندل.. عاد إلى المنزل حزيناً يحمل صندله.. أمسك الوالد العجوز بمحفظة النقود الفارغة وهزّها في وجه ولده. وفي الصباح، لم يذهب الصبي إلى المدرسة.. ولم يحضر الامتحان.. رسب في صفه.. وعادت بَكَرَة الأيام عاماً إلى الوراء.
…………………………………………………………………
الضفة الأخرى
كان يفصل بينهما نهر.. أراد أن يعبر النهر إليها.. لكن ينبغي له أن يتعلم العوم. ظل ردحاً من الزمن يتدرب، وعندما أتقن السباحة، مات غرقاً قبل أمتار من الضفة الأخرى…
…………………………………………………………………
القُجَّة
دخلَ البيتَ تركبُه كلُّ عفاريت الأرْض…طلبَتْ إليه الجامعةُ دَفْعَ مائتي ليرة كيْ يستطيعَ التسجيل فيها…وما معه منها سوى ليرتيْن..فعَزَف عن التسْجيل نهائيّاً..
قالتْ أختُهُ:مالذي يحزنك؟ فأخبَرَها… أمْسَكَتْ القُجّةَ المصنوعة من الجِبْس وكَسَرَتْها ثم أعطتْهُ كلَّ ما فيها..ذهَبَ إلى الجامعة وانتسب إليها فكانتْ بدايتَه..عادَ إلى البيت يغمرُه فَرَحٌ جارف ليجدَ أختَه وقد ماتتْ بالسكتة القلبية بعد مرض عضال طويل .
ومن يومها كلما أمسكَ بكتاب، يرى صورتَها تطلّ عليه باسِمةً من بين الكلمات.
…………………………………………………………………
القَلَمُ والزّهايْمَر
عندما كُنّا أطفالاً، عَثَرَتْ أختي التي تصغرني بعام واحد، في الطريق، على قلمِ حبرٍ من الأنواع الفاخرة التي كنتُ أحلم بأن أقتني واحداً منها، تحايلتُ عليها وأخذتُ القلم… وضَعْتُهُ في حقيبتي التي كانت مصنوعةً من قطعة قماشية ولها علاّقة توضع في الكتف وكانت شبيهةً بالمخْلاة التي توضع في عنق البغل.
دخل المعلِّمُ قاعة الصف… رفَعَ التلميذ الذي يجاورني في المقعد إصبعَه ثم قال: أستاذ لقد سُرِقَ قلمي… قال له المعلِّمُ ، وكان ابنَ عمِّ أبي، “ابحثْ في حقيبتك جيداً”… بحث التلميذ لكنه لم يجد القلم… وتجوَّلَ المعلّم بين التلاميذ برفقة ذلك التلميذ وبدأ يبحث في حقائبهم حتى وَجَدَ القلمَ في حقيبتي/ مخْلاتي… رمَقَني المعلّم بنظرة خاصَّة، شرَحْتُ له حكاية القلم، لكنه لم يصدِّقْ ما قُلْتُه، وكانت عَصاهُ في انتظاري… لم أبكِ من ألم العَصا… كان بكائي من الإحساس بالقهر والظُّلْم…
وفي باحة المدرسة كان التلاميذ يشيرون إليَّ ويتهامَسون فيما بينهم: حرامي، حرامي…
وزاد إحساسي بالظلْم عندما رجعتُ إلى البيت وكأنني على موعد مع عصا والدي الذي انهال عليَّ بضربٍ مبرح لم أعرف له مثيلاً في حياتي… لقد أعلمه المعلّم بالحكاية، وحاولتْ أختي الدفاعَ عني وشرحتْ له حقيقة ما جرى لكنه لم يكترث لكلامها فالمعلّم هو الأصدق دوماً.
وظَلَّ الإحساس بهذا الظُّلْمِ يلاحِقُني ستين عاماً… قرَّرْتُ بعدها أن أتخلص منه… زُرتُ معلِّمي الذي صار في حيطان التسعين، كي أشرح له ثانية حقيقةَ الأمر، وقبْلَ أنْ أتحدَّثَ إليه تَبَيَّنَ لي أنه مصاب بالزّهايمر!!
…………………………………………………………………
اللِّحاف
برْد ( كانون ) يقصّ المسمار.. يمدّ المرء إصبعه في الظلام فلا يراه.. تسلّل إلى الأزقة الموحلة التي صار أهلها في سابع نوم.. تسلق الجدارَ الطينيَّ المتداعي.. وبخفة الفهد كان في الغرفة التي يهجعون فيها.. ليس فوقهم إلا لحاف عتيق يخفي بعضهم ويكشف عن بعضهم الآخر.
أشفق على الصغار الذين علت الزرقة وجوههم.. قفز إلى دار مجاورة.. سرق لحافاً وعاد إلى الصغار.. وضع اللحاف فوقهم، ثم غاب في الظلام!
…………………………………………………………………
اللقّاطون
ورثوا عن أجدادهم غاباتٍ من أشجار الزيتون المعطاء.. قاسمهم في خيراتها ناسٌ غرباء.. ثم صار أصحاب الزيتون يعملون أُجَراء يتَبَعّرون ما بقي من حبّاته.

قد يعجبك ايضا