مقدساتنا: بين غيظ الحاقدين وغفلة المسلمين

أسماء الجرادي  …..

 

قال تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْـمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). آية  أصبحت واقعاً ملموساً نعيشه، ونذوق مرارته مع كل تصريح، وكل مشهد وصورة، ونلمسه في صمت العالم المطبق امام كل الاعتداءات على الامة ومقدساتها. إنها الحقيقة التي نغفل عنها ويثبتها الله لنا يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام،  لتؤكد أن الحقد الذي يكنه أعداء هذا الدين  هو غلٌّ دفين، وحسدٌ متجذر منذ بدء رسالة الاسلام، وكراهية لن تزول إلا حين نترك ديننا ونذوب في هويتهم ونتبع دينهم. فلم تكد تمر أيام على مشهد الملايين من المسلمين وهم يلبون نداء ربهم لبيك اللهم لبيك، في مشهدٍ مهيب يرتدون فيه لباساً واحداً، وتتوحد فيه قلوبهم وأرواحهم في أطهر بقعة على الأرض، حتى خرج علينا المجرم ترمب بصورته الاستفزازية ليستهزئ بالكعبة المشرفة، بيت الله الحرام. هذا التوقيت  ليس صدفة، انما هو رسالة تفضح ما تخفيه الصدور؛ فاجتماع المسلمين على عرفات، وتوحدهم في لباس الإحرام الأبيض، كان كافياً ليكشف عن جمر الحقد المدفون في صدورهم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.

فبرغم أن الحج في واقعنا المعاصر قد فقد الكثير من الدور الذي أراد الله لنا أن نستلهمه منه، وأيضاً برغم أنه اصبح صعب المنال، وبرغم أننا تقاعسنا وتفرقنا وبعنا قضايانا الاساسية واندمجنا في افكار وهوية اعداء الاسلام بشكل لافت إلا أن مشهد الملايين وهم يطوفون حول الكعبة ما زال يثير رعب الاعداء ويرهبهم، وما زالت كلمة الله أكبر  كافية لتجعل ترمب ومن على شاكلته يكشفون عن غضبهم عبر استهزاء رخيص وصورة مبهمة،أراد من خلالها أن يفرغ غضبه بطريقة استفزازية، لكنه في نفس الوقت قدم لنا درساً قاسياً في حجم التعدي الذي يخططون له؛ فقد أوصل لنا رسالتين في صورة واحدة: الأولى هي رسالة تهديد مبطنة تقول سنصل إلى مقدساتكم وسندنسها متى شئنا، والثانية هي رسالة استخفاف وازدراء تقول انظروا إلى هؤلاء الحمقى، يتركون خلفهم خيام النزوح والحروب التي أشعلناها في بلدانهم، ويذهبون ليلبوا لربهم. نعم، نحن نذهب إلى الله حتى ونحن ننزف، ونطوف ونحن مجروحون، لأن هذا هو الملاذ الأخير الذي بقي لنا في عالمٍ أُستبيحت فيه كل شيء.

إن اعتداء ترمب اليوم واستحقاره للمسلمين هو حلقة في سلسلة طويلة من الاستفزازات الممنهجة، سبقها فيه ترمب بنفسه باستحقار قادة المسلمين وكذا سبقها اعتداءات متواصلة على القران الكريم من خلال الحرق  ومروراً بالتشويه بالرسول صلى الله عليه واله وسلم وصولاً إلى الاستهزاء بالكعبة نفسها. كلها تأتي في مسار واحد وهو العداء الشديد للاسلام والمسلمين، يظهرون شيئا من هذا العداء في اوقات مختلفة وكأنهم يريدون إخبارنا: ان لا تفرحوا بدينكم، لا ترفعوا رؤوسكم، ولا تتوحدوا. لقد نجحوا في سلب مشاعرنا، وتغيير مناهجنا، وتبديل ضمائرنا، وزرعوا فينا خوفاً جعلنا نخفي حتى غيرتنا على مقدساتنا، فبرغم كل ما يقومون به نجد شعوب الامة في سبات لا يحركهم اي تصرف وليس بينهم سواء الشعب اليمني بفضل الله وبفضل القيادة المؤمنة الثابتة على مبادئ الاسلام .

وهنا رسالة يجب ان تصل لكل مسلم: إذا لم تستيقظ الشعوب من سباتها ، فإن هذه الاعتداءات لن تتوقف عند الصور والكلمات، انما ستتطور وتتوسع حتى نجد هؤلاء يستبيحون أرضنا بدباباتهم ومدرعاتهم، إلى درجة أننا لن نملك لحظة أمان واحدة نؤدي فيها صلواتنا وعباداتنا، لنصبح مجرد أنعام تقودهم أمريكا حيثما شاءت وكيفما شاءت.

فرسالتي إلى كل مسلم على وجه هذه الأرض، من مشرقها إلى مغربها: ألا يكفينا كل هذا الذي يحصل لنا لبلداننا وشعوبنا واسلامنا ؟ ألا يكفينا ما رأينا من ذل وانكسار؟ ألا يكفينا ما وجدنا من خذلان؟ وهل يكفينا الدروس التي تعلمناها بالدماء، وبالفقد، وبالخراب والدمار. هل يكفينا أن صارت كرامتنا تُداس ونحن نشاهد ونبكي انكساراً وعجزاً. هل حان وقت يقظتنا؟ هل حان وقت توحدنا؟ هل حان الوقت لنعود إلى قرآننا، وإلى أصل ديننا، وإلى حبل الله المتين الذي إن تمسكنا به فلن نضل ولن نهان ابداً ؟
هل حان الوقت ان نفيق وننشئ اجيالاً حرة شامخة لا تركع إلا لله، أجيالاً تحمل هم هذا الدين ورفعته، أجيالاً تعرف أن العزة في دينها لا في التبعية للاعداء، وأن الكرامة في قرآننا.

ونحن نعلم يقيناً أن اليد التي رمت الشيطان في مكة قادرة أن ترمي عروش هؤلاء المجرمين، والقلوب التي بكت بين الحجر والركن قادرة أن تشتعل غضباً يكسر جبروتهم. فالعزة لله وحده، والنصر وعد الله، ووعد الله آتٍ لا محالة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فلنجعل من هذه الاعتداءات شرارة تحرق قيود الخوف في قلوبنا، فلا نخاف في الله أحداً، ونوقن ان العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن الظلم مهما علا شأنه، فإن نهايته إلى زوال، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

الكاتبة من اليمن

قد يعجبك ايضا