دوائر الخوف
تعتبر مؤسسة الزواج لربما أفضل ما توصلت إليه الإنسانية وأسوأ ما توصلت إليه الإنسانية من حيث ترتيبها ثم تقنينها للعلاقات الجسدية بين بشرين. يعتقد بعض العلماء أن حاجة صغار البشر للرعاية الدائمة والحماية المستمرة، على عكس صغار الحيوانات الأخرى التي تولد بمخوخ أكثر تطوراً وبالتالي أكثر قدرة على رعاية نفسها وتأمين غذائها، هي التي جمعت الذكر والأنثى في علاقة دائمة وهي التي أبقت على الذكر تحديداً في هذه العلاقة من حيث أن توفير الغذاء والحماية هما مسؤوليتان منوطتان به بالدرجة الأولى. النقاش يطول حول البدايات البشرية وحول ما اذا كانت الطبيعة البشرية ترنو للتعدد أو الأحادية، حيث أن هناك قبائل كانت، ولا تزال إمتداداتها البدائية، تعيش في صور جماعية، لا ينفرد فيها إثنان ببعضهما البعض، وإنما تكون العلاقات جماعية ويكون الأبناء الناتجون أبناء القبيلة بأكملها ولا يوعزون لذكور معينين.
ومؤسسة الزواج هي أفضل ما توصلت إليه البشرية من حيث خلقها لنواة مصغرة للمجتمع يسهل بدءاً منها ترتيب الحقوق والواجبات، كما وأن هذه المؤسسة تخلق علاقات متينة وإرتباطات عميقة بين أفرادها مما يجعل منها وحدة قوية داخل المجتمع. الا أنه ومن ذات هذه الميزات تخرج السلبيات، فالشعور بهذا الإنتماء الأسري القوي يضعف الإنتماءات الأكبر ويضبب الولاءات ويجعل المشاعر تتحكم في الكثير من القرارات الضرورية للمجتمع. كما وأن أهم المآخذ على مؤسسة الزواح أنها، بكل وضوح، مؤسسة ذكورية هرمية، مبنية في عمقها على حاجة الذكر للخدمة وحاجة الأنثى للحماية وتأمين الغذاء.
تشير كاتبة ومفكرة القرن الثامن عشر ميري وولستونكرافت الى أن أحد أسوأ نتائج فكرة الزواج هو تضحية المرأة «بقوة الجسد والعقل» من أجل التحصل على الجمال الذي هو مفتاحها للزواج، مما يُخسر المرأة الكثير من أهم سنوات عمرها ويحولها الى كائن هش مهتم بالمظهر فقط. وتوضح وولستونكرافت أن الزواج يتطلب تضحية المرأة بوقتها والمتاجرة بشخصها لكي تضمن زواجاً مريحاً يضمن لها متع الحياة، مما يخلق حالة من العبودية تعيش تحتها المرأة في هذه المؤسسة. وعلى الرغم من البعد الزمني لأفكار وولستونكرافت، الا أننا ولحد كبير لا نزال كمجتعات إنسانية، وكمجتمعات عربية إسلامية تحديداً، نعيش هذه المعضلة المؤسسية بشكل واضح. فلا تزال مؤسسة الزواج مملوكة للرجل ولا تزال المرأة ساعية «للدخول في رحابها» من أجل تأمين الحماية والأهم من أجل ضمان حياة إجتماعية مقبولة تكتمل من خلالها صورة المرأة وكيانها الأنثوي.
«لا أتمنى للنساء أن تكون لهن سلطة على الرجال» تقول وولستونكرافت «ولكن على أنفسهن» وولستونكرافت ترى أن الزواج، مصحوباً بالمبادئ والفروق الإجتماعية الحالية، يحرم المرأة من كل سلطة لها على نفسها، على أفكارها، على وجودها الذي يذوب رغبة في إرضاء عائلها وتجنب إغضابه والإستمرار في التحصل على رغبته فيها. وتعتقد هذه المفكرة أن السعي الدؤوب للزواج يجعل من الجمال الفكرة المستحوذة على عقل المرأة منذ نعومة أظفارها وعليه «يحور العقل نفسه ليتشكل على شكل الجسد، حائماً في سجنه الذهبي، ساعياً فقط لتجميل سجانه». وعليه، يتحول عقل المرأة لسجين كما جسدها، أحدهما يساعد الآخر على تحمل سجنه بل وعلى التوق للسجان، وكيف يمكن توقع الفضيلة من مخلوق سجين مخاوفه ورغباته؟ وتؤكد وولستونكرافت أنه «هدراً نتوقع الفضيلة من النساء حتى تتم لهن الإستقلالية لدرجة ما عن الرجال.» وهنا يكمن لب الموضوع الخطر جداً والغامض جداً، فالكثيرون يعتقدون أن حماية الفضيلة تتم عن طريق حماية المرأة والوصاية عليها والمراقبة والمتابعة المستمرين لها، في حين أنه، وكما توضح وولستونكرافت، لن يستتب الأمر للفضيلة إلا حين تستقل المرأة وتتحرر وتصبح مالكة زمام نفسها وأفكارها وتصرفاتها، وعندها، حين تختار هي، وتقرر هي، من دون وصاية أو تخويف بالعقوبة أو تهديد بالعزل، يستتب الأمر لفضيلة حقيقية صلبة، غير موعزة من خوف أو مدفوعة من ضغط. وعندما تتحقق الحرية الكاملة، تتحقق الأخلاق الكاملة وتتجلى الفضائل الإنسانية في أجمل صورها.
وعلى كل، ما هي الفضيلة ومن ذا القادر على تحديد صورها؟ وهل هي، كفكرة فلسفية، فكرة ذكورية بحتة؟ سؤال يفضي الى سؤال، وتبقى النساء تدور في سجونها الذهبية المغلقة.
* كتاب رائع للمفكر الكبير د. نصر حامد أبو زيد حول وضعية المرأة العربية المسلمة، يستحق القراءة بكل تأكيد.
