المعتصم خلف: التأمل بلا عيون
المعتصم خلف
مساء يهديكَ للوقت من حجم الشمس, ويكفي أن تحاور جارتك العجوز لتعرف نسبة الخيبة في الهواء, والفروق في الألوان تهدي الأعمى للخطأ ليعرف نعمة البحث عن الطريق, ولو خلا الليل منهم لاستمتعنا بساعة الضوء في الفجر, ولكن نحن الآن الفريسة المهددة بالانقراض, منذ أن أصبح عدونا الوقت والوقوف على المرتفعات.
تتخيل كيف ستصف نفسك بعد الخروج لشخص ما (لم تحدد ملامحه) وكيف ستتحدث عن الترقّب وتضارب الأخبار, بين الدخول والخروج يختلف الأمر, عندما تصبح أغلى الهدايا فنجان قهوة وأرخصها قافلة المساعدات.
وتتأمّل … فتعرف من آثار الحرب ما سيدفعكَ إلى كره التتمة في التضادّ, حيث كان الحالمون يعيدون ترتيب المساء على حجرية المنفى ويكتبون رسائل تعود إليهم بسبب ارتفاع الموج حسب ظنهم, وليس بسبب وفاة من أبحروا, وكان “الأولمب” أعلى من استمرار رواية تروى منذ ان أدمنّا حليب “الأونروا” الذي تربّى أبي عليه في خيبة الزحف والقفز للهرب من أمام قافلة الجنود وأنا الآن أتربّى عليه لعلي أعقد الرضى مع مستقبل يأتي نشرب فيه حليبنا دون الانتظار في طابور المعونات.
وتتأمّل … فترى بأن هذه الحرب أنثوية, تهيج المزيد حتى تحب الحب لحبه لا لكونه فعلاً من أفعال الطبيعة بل كونه صفة من الصفات, وأنثوية لأنها مستمرة وإحدى صفات الأنوثة هذه أن تستمر بمدح الشغف الهادي لكي تصل إلى خارطة جديدة قليلة التكرار.
فتضحك من وصفك و تضحك أكثر عندما تتذكر التدخين مع صديقتك التي اندسيتَ معها بشقوق جدار, هرباً من صوت الانفجار, وتتصل بها لتستجمع الذكرى, فتقول لها مستمر هذا الحصار إلى آخري وآخره, فانسيني يوم الخميس واذهبي إلى مسرح (الحمرا) هناك يغزل المنشدون نشيد الوداع, ولا تجلسي في الركن المنسي, هو مكان العاشقين المحبطين, واجلسي بيني وبينكِ, في اللا هنا واللا هناك.
وتضحك أكثر عندما تتذكر أن صديقتك ذاتها ماتت على يديك داخل الجدار ذاته الذي اندسيتما داخله, لكنك اختلقت هذا الحوار لتؤنس الوحدة أو لتسترجع العاطفة السالفة التي أضاعت دليل برقها ولتتصور كيف لو لم يكن الآخرون ضد الآخرين لوقفتم أمام الحب سالمين, ولتبحث عن أسباب النجاة من التأويل, لو اخترنا الطريق القديم لقُتلنا بطريقة معقدة أكثر, ولصرنا خبراً عاجلاً على الإعلام, ولو نجونا من الطريق القديم لاخترنا الموت حباً, فالموت واحد أمام جسد من صلاة.
(كتب هذا النص في لحظات الحصار, ضمن أحدى المناطق السورية)
