المحبرة

أن تكون إعلامياً ومحايداً في الشرق الأوسط، خطّان متوازيان لا يلتقيان في عصر الثورة الرقمية. فمهمّة الإعلام لم تعد تقتصر على نقل الوقائع والحقائق، التي باتت مكشوفة ومتداولة. اليوم، أصبح الإعلام، وبشكل بارز، شريكاً متورطاً في تنفيذ الأجندات الرسمية المموّلة له، وتحوّلت مهمّته من التوعية إلى التضليل، ومن نقل المطالب الشعبية لصنّاع القرار إلى نقل أوامر صنّاع القرار للشعوب. 
كذا تغيّرت الأولويات، حيث انحدرنا من النشرات الإخبارية والبرامج السياسية الداعية -ولو ظاهرياً إلى تعزيز الوحدة العربية، إلى البرامج الإعلامية المكشوفة والمنادية بالتفتيت، والتقسيم، ونشر الفُرقة الطائفية والمذهبية تجهيزاً لأرضية المخطط الجيو استراتيجي الجديد، والذي لن يسلم منه أحد إلّا من خبُثَ، وعمل طالحاً، وأتى أورشليم معاهداً. 
هذا المشهد الإعلامي هو نتاجُ واقعنا الذي لن يبقى كما هو عليه في السنوات العشر المقبلة، ولا نقصد هنا الواقع السياسي فحسب، وإنما الواقع الفكري بشكل عام، والذي يشمل المنظومة الثقافية والنفسية، ما يُشكّل أرضاً خصبة لظهور الطُفيليات الإعلامية، وتكاثرها، وتغلغلها في المجتمع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. 
ولا نعوّل هنا على صحوة وسائل الإعلام والضمير المهني، كما أننا لا نراهن على حكمتنا في التمييز بين محور الشرّ ومحور الخير، ليس انتقاصاً، وإنما لأننا شعوب مأخوذة بالعصبية والموروث الثقافي والاجتماعي. 
اليوم نحتاج إلى العمل معاً، وبرؤية واحدة، للنهوض بالواقع الحالي، ضمن خطّة فكرية عابرة للحدود، مفتاحها تقبّل الآخر والحوار، والتعلّم من الأخطاء، والاعتراف بها، وتعزيز حرّية التعبير الراقية الهادفة إلى توعية الجيل الحالي إلى ما يدور حوله بكلّ شفافية، ومواجهة التحديات بأقلام أكاديمية رشيقة، لا تأطير هذه الحرية ووضعها في أقلام رسمية بحتة، تُبدّل حبرها بحسب من يدفع ثمن المحبرة. 

حبر الإعلام أنواع.. منه ما صُنع من العاج الأسود الأصيل، ومنه المواد الصبغية المستوردة، ومنه الأحمر الذي يكتب ولاءه بالدم.

قد يعجبك ايضا