الصحف الإسرائيلية – الجمعة 23-6-2017

المعركة على مصير امريكا في الشرق الاوسط

بقلم: اللواء احتياط يعقوب عميدرور

في الوقت الذي يعنون فيه في اسرائيل بمواضيع هامة في اماكن قريبة كغزة وقلقيليا، يدخل الشرق الاوسط في مرحلة اخرى اكثر تعقيدا في الصراع على مستقبله. والسبب في ذلك يكمن في  تغيير نهج الادارة الامريكية الجديدة تجاه المنطقة. فادارة ترامب مستعدة لان تكون أكثر مشاركة من سابقتها، التي قررت عمليا الانسحاب من الشرق الاوسط.

وضع التغيير روسيا في الاختبار، وهي لا بد غير راضية عن أن حرية العمل غير المحدودة التي كانت لها في الشرق الاوسط –  تقلصت.  وبالتوازي، في ظل استغلال الوضع الفوضوي في المنطقة، تقدمت ايران الى وضع تكون لها فيه امكانية لفتح رواق شيعي يربط بغداد بدمشق، على قرب حقيقي من الاردن. في منطقة الرواق المستقبلي (مجال تنف) تعمل قوات خاصة امريكية وبريطانية، ولا سيما في  اطار المساعدة والتدريب لقوات كردية وغيرها، حلفائها في القسم البري من القتال ضد تنظيم الدولة الاسلامية.

ان نجاح القوات الكردية في القتال  في القسم الشمالي من سوريا يمس بالخطة الايرانية لاقامة رواق بري في الشمال بالتوازي مع ذاك الذي في الجنوب، ويتسبب ايضا بقلق  كبير لتركيا، التي تخشى اكثر  من اي شيء آخر الاستقلال الكردي او حتى حكم ذاتي كهذا في سوريا. هكذا بحيث انه بالتوازي تدور في شرق سوريا أربعة أو خمسة صراعات مختلفة.

          الوضع في  المنطقة سخن في  الايام الاخيرة. وقوات النظام السوري التي عملت في مجال الواقع امام مثلث الحدود مع العراق والاردن – بهدف الارتباط بنظرائهم من العراق – تعرضت للهجوم من الجو من قبل الامريكيين. طائرة سورية وطائرة غير مأهولة ايرانية اسقطتا على ايدي الامريكيين  ايضا لانهما بزعم الولايات المتحدة عرضتا للخطر جنودا امريكيين يعملون هناك مع القوات المحلية. وردا على اسقاط الطائرة السورية  اعلنت روسيا بانها ستسقط كل  طائرة تحلق غربي نهر الفرات، فنقلت بذلك الكرة الى الملعب الامريكي. اذا قررت واشنطن مواصلة الطيران في المنطقة “الممنوعة” – فستقف موسكو أمام قرار صعب للغاية، فهل تسقط طائرة امريكية أم تتراجع عن تصريحات متسرعة ثمن تنفيذها غير معقول على نحو ظاهر. اذا لم يحذر احد الاطراف – في موسكو، في واشنطن أو في سوريا نفسها – فمن شأن العالم أن يعلق في مواجهة روسية امريكية لا يحمد عقباها. وعليه فينبغي أن نتوقع مساع من الطرفين لتخفيض حدة التوتر، على الاقل بالتصريح ان لم يكن عمليا.

ان المواجهة الحالية هي نتيجة رغبة امريكية للمشاركة في تصميم سوريا بعد تصفية داعش. ولهذا فقد اقيم معسكر امريكي قرب تنف، ولهذا السبب تعمل في تلك المنطقة تلك القوات الخاصة. ولكن الصراع في المنطقة هو ايضا جزء من صورة اوسع، تتعلق بمسألة هل يمكن وقف ايران التي تتحول لتصبح القوة السائدة في المنطقة.

من يبث مصداقية؟

اذا لم توقف ايران في تنف، فانها ستخلق كما اسلفنا رواقا بريا من بغداد حتى دمشق، ولاول مرة في التاريخ الحديث سيكون للايرانيين قدرة وصول مباشرة الى البحر المتوسط. الكابوس، الذي وصفه الملك الاردني “الهلال الشيعي” سيتحقق. وستكون الجغرافيا الاستراتيجية للشرق الاوسط مختلفة، سيئة للسُنة وبالطبع لاسرائيل.  ان زعامة الايرانيين، الذين يقودون الشيعة في كل مكان وفقا لخطتهم الكبرى، تبرز في ضوء الانقسام السني. فالسُنة، رغم كونهم اغلبية مطلقة في اوساط المسلمين في الشرق  الاوسط، لم ينجحوا في الوقوف في وجه الموجة الشيعية، وباستثناء اخراج السودان من دائرة النفوذ الايراني يجدون صعوبة للوقوف ضد الحرس الثوري والميليشيات الشيعية التي تنفذ ارادة ايران. اما تعيين ولي العهد النشط والشاب في  السعودية فيرمز الى رغبة سعودية في تغيير هذا الوضع من الاساس. ولكن الطريق لا يزال طويلا.

الان، حين يتحقق الرواق الايراني على الارض، حانت لحظة الاختبار لادارة ترامب في الولايات المتحدة. اذا ما تراجعت مثل سابقتها بعد استخدام الاسد للسلاح الكيميائي، سيحسم مصيرة الولايات المتحدة كمحفل مؤثر في الشرق الاوسط. اذا تبين بان الرئيس  الحالي هو ايضا نمر من ورق والامر سيبرز بقوة اكبر على خلفية زيارته الى السعودية، سيفقد الامريكيون كل  مصداقية. وقوة عظمى بلا مصداقية ليست قوة عظمى.

هذا الوضع تفهمه ايران وروسيا ايضا، وكلتاهما تحاولان اثبات مصداقيتهما على حساب الولايات المتحدة (هذا هو احد اسباب اطلاق الصواريخ الايرانية نحو قواعد داعش في سوريا). وعليه، فان الازمة الحالية هي منذ الان جزء من “اللعبة الكبرى”، التي تحاول فيها روسيا للعودة الى مكانة الاتحاد السوفييتي في ذروة قوته في الشرق الاوسط.

ان  الحلف بين روسيا وايران هو حلف قوي، ولكن ليس لانهما تتشاركان في  الفكر ذاته بل لانهما تكملان الواحدة الاخرى.  روسيا تقدم الغلاف الدولي، الاستخبارات والمساعدة الجوية، بينما توفر ايران الجنود لتنفيذ  العمل على الارض –  دور الحرس الثوري، حزب الله والميليشيات الشيعية. اما روسيا، التي توجد في  الجانب الشيعي من هذا الصراع، ستحاول في نفس الوقت الحفاظ على العلاقات الطيبة مع السُنة وبيع السلاح للسعودية ولمصر، اللتين توجدان على الطرف الاخر من المتراس لانه في الشرق الاوسط “المجنون”، فإن صديق  العدو – ليس دوما عدوا، مثلما هو عدو العدو – ليس صديقا دوما.

مخاوف وآمال

من شمال تنف، على مقربة من الحدود التركية، يواصل  الاكراد الهجوم – بمساعدة امريكية – على الرقة، المعقل الاكبر الاخير لداعش في سوريا. وبعد تحررها ستصبح  الرقة، حسب الفهم الامريكي، المكان الذي يوقف فيه المسعى الايراني في الرواق الشمالي، الذي يمر في الموصل.

ان تعزز قوة الاكراد في سوريا يقلق جدا الاتراك، الذين يدعون وعن حق على ما يبدو، بان للاكراد في سوريا علاقات مع التنظيم الكردي في تركيا, حزب العمال الكردستاني، الذي اعلن ليس فقط في  تركيا كمنظمة ارهابية. فضلا عن ذلك، فان كل تعزيز للقوة الكردية والخطوات نحو الحكم الذاتي او الاستقلال يخيف الاتراك عقب قلقهم من أن ترى اغلبية الشعب الكردي الذي تعيش في تركيا (هناك من يدعي بانهم نحو 15 مليون نسمة!) في ذلك سابقة، وتكون تركيا عرضة لمطالبات كردية بحكم ذاتي او استقلال يعرض وحدتها للخطر. هذا هو الكابوس التركي الاكبر ويشارك فيه حتى الاتراك الذي يكرهون اردوغان. تركيا ستفعل كل ما في وسعها كي تمنع هذا السيناريو.

 ان ارتباط الكفاح الايراني بخلق اتصال بري بالبحر المتوسط مع الصراع بين القوى العظمى، والقتال ضد داعش، والصراع بين الشيعة والسُنة في الشرق الاوسط، بين الاتراك والاكراد على الحدود التركية، وبين نظام الاسد والثوار، يتلخص ظاهرا في منطقة مثلث الحدود بين سوريا، العراق والاردن (الذي يشعر بانه مهدد) وشمالا  من هناك. والقرارات المختلفة في الازمة ستؤثر لمدى بعيد جدا على مستقبل الشرق الاوسط كله، وبالاخص على مكانة الايرانيين وعلى أمل الاكراد وعلى اي حال على دولة اسرائيل ايضا.

اسرائيل اليوم

قد يعجبك ايضا