الصين تفضل القوة الناعمة للهيمنة على الجوار الأصفر

قبل ظهور الرئيس الصيني تشي جين بينج في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في كانون الثاني (يناير) من العام الماضي، قدم له مستشاروه أربع مسودات للخطاب الذي سيلقيه أمام التجمع السنوي، الذي يضم النخب العالمية.
وفقا لشخصين على دراية باستعدادات الرئيس الصيني تشي، فإنه قد اختار أرق نسخة لتقديم الصين كبطل صديق للبيئة مؤيد للعولمة والتجارة الحرة.
لقد كان يتحدث يومها قبل أيام من احتفال الرئيس دونالد ترمب بانسحاب الولايات المتحدة من الشراكة عبر الباسفيكي، وهي معاهدة تجارية تضم 12 بلداً، استبعدت الصين بشكل واضح.
منذ ذلك الحين، سارعت بكين إلى الاستفادة مما يطلق عليه المسؤولون الصينيون “الفرصة الاستراتيجية” الناشئة عن فوز ترمب في الانتخابات، من خلال تسريع الجهود الرامية إلى إصلاح العلاقات المتوترة منذ فترة طويلة مع حليفين تقليديين لأمريكا في المنطقة، وهما الفلبين واليابان.
عرضت الصين صفقات سخية على مانيلا في مجال البنية التحتية، واتخذت خطوات لاجتذاب استثمارات جديدة من قبل الشركات اليابانية متعددة الجنسيات.
هجوم السحر الصيني هو استجابة محسوبة بعناية لتزايد الشكوك في المنطقة، حول موثوقية الولايات المتحدة، في الوقت الذي تسعى فيه بكين إلى تغيير توازن القوى في شرق آسيا.
إلى جانب تايوان، التي تتمتع باستقلال بحكم الأمر الواقع، التي يعتبرها الحزب الشيوعي الحاكم في الصين مقاطعة سيستعيدها يوما ما، فإن جزر الأرخبيل الفلبيني والياباني جزء حاسم في الانحياز الأمريكي نحو “سلسلة الجزر الأولى”، التي يعتقد استراتيجيو بكين منذ فترة طويلة، أنها كانت تستخدم لاحتواء قدرة الجيش الصيني على ممارسة استعراض القوة، في غربي الباسفيكي.
يقول جيك سوليفان، مستشار السياسة الخارجية السابق الديمقراطي لهيلاري كلينتون وجو بايدن: “هناك إحساس في آسيا بأن انتخاب ترمب قد يثير تحولا جذريا في القوة”.
يمثل النهج اللين تغيرا حادا في الخطة بالنسبة للرئيس تشي. بعد نحو من عقد من المعاملة القاسية بشكل متزايد لجيرانها، وخاصة حول النزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي، تتركز تكتيكات الصين الآن بشكل أكبر بكثير من ذي قبل، على الدبلوماسية والإغراءات الاقتصادية.
جهود الرئيس تشي لإضعاف سلسلة الجزر الأولى تكمل مبادرة طريق الحرير الجديدة، وهو مشروع بقيمة 900 مليار دولار يسعى لتعزيز روابط النقل البري والبحري غربا، نحو جنوب شرقي آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا.
وكما هو الحال في خطة مارشال، برنامج المساعدات الذي قادته الولايات المتحدة لتعزيز وضع حلفاء أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، فإن محاولة الصين لاستمالة الفلبين واليابان ودول على طول مشروع الحزام والطريق، تنطوي على مزيج من القوة العسكرية والاقتصادية الناعمة والخشنة، التي تكسب فيها البلدان النفوذ من خلال المثال.
يقول جوزيف ناي، الأستاذ في جامعة هارفارد، الذي كان أول من صك تعريف مفهوم القوة الناعمة: “كانت خطة مارشال ممارسة رائعة في القوة الناعمة، من حيث إنها تركت بقايا من الإعجاب والامتنان للولايات المتحدة في أوروبا الغربية، وكان لذلك قيمة شبه مستدامة. إلا أنه من الصحيح أيضا ولو إلى حد، أن دوافعنا لم تكن حميدة خالصة، بل كانت حميدة جزئيا”.
جنبا إلى جنب مع النفوذ الاقتصادي والعسكري المتنامي للصين، يعرض تشي أيضا إنجازات الحزب الشيوعي الحاكم في رفع مستويات المعيشة وبناء البنية التحتية في الصين، لكسب حلفاء إقليميين محتملين.
يقول شي يين هونج خبير الشؤون الخارجية في جامعة رينمين في بكين: “الأجانب يرون في بعض الأحيان فجوة بين أقوال الصين وأفعالها، لكن جاذبية المؤسسات والأيديولوجية والقيم الصينية أفضل من ذي قبل، بسبب نجاحنا الاقتصادي”.
في أعقاب قرار بريطانيا مغادرة الاتحاد الأوروبي وفوز ترمب الانتخابي، باتت ثقة الحزب الشيوعي الصيني بجاذبية نموذجه الفريد للرأسمالية، أو السوق الاشتراكية، التي تقودها الدولة هي الآن أعلى من أي وقت مضى.
قال تشي في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، في خطاب بمناسبة بداية ولايته الثانية كأمين عام للحزب: “القيم الأساسية لبلادنا تحظى بجاذبية أكبر من أي وقت مضى. الصين تقدم خيارا جديدا للبلدان والشعوب الأخرى التي تريد تسريع تنميتها، مع الحفاظ على استقلالها”.
بيد أن المسؤولين في مانيلا وطوكيو لم ينسوا أسلوب بكين العدواني السابق، ما يضع قيودا على جهود بكين في التقارب.
وبينما لم يتقدم الجيش الصيني لاستصلاح شعب مرجانية جديدة في بحر الصين الجنوبي في العام الماضي، إلا أنه عزز قواعده الحالية.كما تستمر عمليات اقتحام خفر السواحل الصيني للمياه اليابانية، حول جزر سينكاكو المتنازع عليها – المعروفة بجزر دياويو في الصين.
وفي الوقت الذي يعترف فيه رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بأن الصين واليابان بحاجة إلى بعضهما البعض اقتصاديا، إلا أنه يشعر بالقلق حيال قيام بكين بتأمين خطوات استراتيجية خلال رئاسة ترمب.
يقول سوليفان: “لا يوجد بلد في آسيا، مع احتمال استثناء كمبوديا، يريد الهيمنة أو السيطرة الصينية. من ناحية أخرى، هم لا يريدون أن يضطروا إلى الاختيار بين الصين والولايات المتحدة”.
وطبقا لدبلوماسيين مشاركين في المناقشات بين الصين والفلبين واليابان، فإن أول إشارة إلى وجود تحول في سياسة بكين الإقليمية، قد ظهرت في أواخر الصيف وأوائل خريف عام 2016.
كمرشح للرئاسة في الفلبين، وعد رودريجو دوتيرتي ذو البرامج الشعبوية بركوب جهاز التزلج على المياه، والذهاب إلى جزر أرخبيل سباراتلي في بحر الصين الجنوبي التي تطالب بها الفلبين، إلا أنها تخضع لسيطرة الصين مثل سكاربورو شول.
في تموز (يوليو) 2016، بعد أقل من أسبوعين من تولي دوتيرتي مهام منصبه، قضت محكمة العدل الدولية في لاهاي بأن مطالبات الصين الإقليمية واسعة النطاق عبر بحر الصين الجنوبي – أو بحر الفلبين الغربي، كما هو معروف في مانيلا – ليس لها أساس في القانون الدولي.
دوتيرتي أشار أيضا خلال الحملة إلى أنه سيكون على استعداد لوضع النزاع جانبا، مقابل الاستثمار في البنية التحتية من قبل الصين، وخاصة في جزيرة مينداناو مسقط رأسه.
وقال: “إذا بنت لي الصين قطارا حول مينداناو على مدى السنوات الست التي سأكون فيها رئيسا، سوف أصمت في شأن [حكم المحكمة] “.
في النهاية، دوتيرتي فعل هذا الأمر بالذات. في تشرين الأول (أكتوبر) 2016 زار بكين، وقال لتشي إن: “هذا هو فصل الربيع في علاقتنا”، وعاد متأبطاً ما قيمته 15 مليار دولار من تعهدات الاستثمار.
وقال لوسائل الإعلام الصينية: “لا معنى للقتال حول كتلة مائية. نريد أن نتحدث عن الصداقة، ونريد أن نتحدث عن التعاون، والأكثر أهمية من ذلك كله، نريد أن نتحدث عن الأعمال”.
يقول البروفيسور ناي: “أعجب دوتيرتي بالأداء الاقتصادي الصيني، الذي يعد مثالا على قدرتها الناعمة، إلا أنه لم يثر [حكم المحكمة] لأنه كان خائفا من القوة الصينية الصعبة. كانت الفلبين قد تعرضت للطرد من جزيرة سكاربورو شول. وهي لا تريد (لا تقوى، بالأحرى) على العودة إليها بقوة السلاح”.
حين عاد دوتيرتي إلى مانيلا كانت مهمة الرئيس إلى بكين مثيرة للجدل، نظرا للمشاعر القوية المناهضة للصين بين أجزاء من الجمهور.
يقول جاي باتونجباكال من معهد الشؤون البحرية وقانون البحار في جامعة الفلبين: “عمد الصينيون إلى تحييد الفلبين أكثر بكثير مما خطر على بالهم. دوتيرتي ينظر بإعجاب علنا إلى الصين – قيادتها، ومواردها”.
وبينما يوافق باتونجباكال على أنه من المنطقي نوعا ما أن تحاول مانيلا “الحفاظ على مسافة متساوية من القوى الرئيسية”، إلا أن الرئيس الجديد فعل ذلك بسرعة كبيرة فوق الحد.
ويقول: “في النهاية، ستفقد مانيلا الكثير، وخاصة حقوقها وامتيازاتها في بحر الصين الجنوبي”.
ويضيف أنطونيو تريلانس، عضو مجلس الشيوخ المعارض: “إذا كنا نتحدث عن فقدان سيطرتنا على الجزر المتنازع عليها، فإن ذاك الذي يفعله دوتيرتي مع الصين، هو في الأساس نوع من الخيانة”.
يعتقد آخرون أن الرئيس الفلبيني يلعب بأوراق ضعيفة على أفضل وجه ممكن، في مواجهة الصين الصاعدة والولايات المتحدة التي يبدو أنها في تراجع.
وقال دبلوماسي آسيوي التقى الرئيس: “دوتيرتي يقول إنه لا يتخلى عن المصالح الفلبينية، بل يتعامل، بالأحرى، بعقلانية تلائم وضع مانيلا القوة الأضعف” في النزاع. الحوافز المالية الكامنة وراء هذا التحول نحو بكين واضحة بالنسبة لرئيس وعد بـ: “بناء وبناء وبناء” طرق وسكك حديدية وغيرها من البنى التحتية بقيمة 180 مليار دولار.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، زار لي كه تشيانغج رئيس وزراء الصين مانيلا، لأول مرة منذ أن أصبح رئيسا لوزراء الصين قبل خمس سنوات.
خلال زيارته، وقعت الحكومتان 14 اتفاقية ثنائية حول الدفاع والبنية التحتية والتمويل، بما في ذلك إصدار سندات الباندا المقومة بالرنمينبي، بقيمة 1.4 مليار رنمينبي (215 مليون دولار) مضمونة من بنك الصين.
أصبح الدعم المالي الصيني جزءا رئيسيا من خطط إدارة دوتيرتي لدعم الاقتصاد الفلبيني – فضلا عن شرعيته. عندما واجه دوتيرتي اللوم من إدارة أوباما في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بسبب عمليات القتل خارج نطاق القضاء التي اتسمت بها حرب إدارته على المخدرات، تبنت الصين موقفها التقليدي بتصريحات بسيطة عن كيفية تعامل دول أخرى، مع مثل هذه “الشؤون الداخلية”.
تزايدت تجارة الفلبين مع الصين، التي كانت تنمو بقوة من قبل، منذ تمحور دوتيرتي نحو الشمال. وفي العام الماضي تجاوزت الصين اليابان، باعتبارها أكبر شريك تجاري للفلبين لأول مرة.
وكان قد تم رفع الحظر الصيني على واردات الموز والأناناس الفلبينية، الذي تم فرضه بسبب تصاعد التوترات الثنائية في عام 2012، قبل أن يزور دوتيرتي بكين.
جهود الصين لتحسين العلاقات مع اليابان اتبعت مسارا مماثلا خلال نفس الفترة الزمنية، على الرغم من أنها تواجه معارضة بين الرأي العام في الصين، أعمق مما هو الحال بالنسبة للفلبين.
وفي آب (أغسطس) 2016، ازدادت حدة التوتر حول جزر سينكاكو، باقتراب أكثر من 20 سفينة تابعة لحرس السواحل الصيني، بعضها مسلح – وهو وجود أكبر من المعتاد في المنطقة المتنازع عليها.
بدا المسرح معّدا للقاء شائك هذا الشهر في طوكيو بين المسؤولين اليابانيين وبين وانج يي وزير خارجية الصين، في أول زيارة له إلى البلاد منذ تعيينه في آذار (مارس) 2013. وكانت العلاقات الثنائية بين ثاني وثالث أكبر اقتصاد في العالم قد اهتزت في أيلول (سبتمبر) 2012، بقرار طوكيو شراء أرخبيل سينكاكو من مالكه، ما أثار احتجاجات كبيرة ضد اليابان في جميع أنحاء الصين.
ما كان مفاجأة لطوكيو، هو سعي وانج، رئيس وزراء الصين إلى تخفيف حدة التوترات بدلا من مفاقمتها خلال زيارته. ووفقا لما ذكره أشخاص شاركوا في المناقشات، فإن الحكومة الصينية قلقة إزاء توقف الاستثمار الياباني.
وفي عام 2011، كانت اليابان أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي إلى الصين. وبعد خمس سنوات انخفضت إلى المركز الخامس، حيث وجّهت الشركات اليابانية الانتباه نحو أسواق جنوب شرقي آسيا والهند.
يقول دبلوماسي ياباني: “في آب (أغسطس) 2016، كانت التوترات مع الصين مرتفعة جدا. كانت لدينا مشاعر متباينة حول استضافة وانج، لكنه جاء برسالة دقيقة من الجانب الصيني، حول معاودة الانخراط مع اليابان اقتصاديا”.
كان قد تم الترحيب بلفتة وانج من قبل الشركات المصنعة اليابانية وآبي. ويضيف الدبلوماسي: “من وجهة نظر اقتصادية، أعادت اليابان اكتشاف السوق الصينية، بسبب ظهور مستهلكين من الطبقة الوسطى – وهذه لم تكن الحال قبل خمس سنوات”.
في الوقت الذي تستمر فيه العلاقات في التحسن، أرسل آبي رئيس الوزراء، توشيهيرو نيكاي الأمين العام للحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم، إلى بكين لحضور مراسم تدشين منتدى طريق الحرير الجديد في بكين، في نيسان (أبريل) الماضي. وأتبع آبي ذلك بلقاءات عقدها بنفسه مع تشي ولي في منتديين إقليميين في تشرن الثاني (نوفمبر) الماضي.

قال شخص على اطلاع باللقاءين: “الاجتماعان، مع تشي ومع لي، كانا جيدين للغاية. ربما كانا أفضل اجتماعين عقدهما آبي معهما”.

قد يعجبك ايضا